تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أميركا وإيران والعداء المزعوم في سورية

بعد مؤتمر وارسو، الذي جاء لمواجهة تمدد إيران في المنطقة، بدا للعيان أن الولايات المتحدة ليست جادة بما يكفي لوضع حد لإيران في سورية، وإنهاء حالة الفزاعة الإيرانية لدول الخليج والمنطقة برمتها، وأنها ما زالت، على الرغم من كل ما تصرّح به، متساهلة في بقاء “البعبع” الإيراني، ربما لابتزاز الدول العربية، والأنظمة الخليجية تحديدًا. ويقول الأكاديمي السوري المعارض برهان غليون: “من السذاجة الاعتقاد بأن واشنطن أو إسرائيل سوف توقفان التهديد الإيراني إزاء الدول العربية، من أجل عيون هذه الدول وضمان الاستقرار الإقليمي والدولي. إنهما تسعيان بالعكس لتوتير العلاقات العربية الإيرانية بشكل أكبر، وتعميق الشرخ بين الجارين المتخاصمين، من أجل تحقيق أهدافهما الخاصة على حساب الدول العربية. وبمعنى آخر، إنهما تعملان على تحميل هذه الدول ثمن مواجهة إيران وتحجيم نفوذها، من دون تقديم أي تنازلٍ سياسي أو استراتيجي للدول العربية”.

فإلى أي حدٍ يمكن لهذا الكلام أن يكون موافقًا للواقع؟ وهل يستطيع العرب تغيير استراتيجيات أميركا في منطقتنا أصلًا أو تعديلها؟ وكيف للسوريين أن يتعاملوا مع مثل هذه السياسات ويستفيدوا منها، من أجل مستقبل قضيتهم؟

السيدة أليس مفرج، عضو هيئة التفاوض، أكدت لـ (جيرون) أن “إسرائيل وإيران عدوتان تاريخيتان لقضايا الشعوب العادلة في المنطقة، فإن تحاربتا أو تصالحتا؛ فنحن من يدفع الثمن لجهة استراتيجيتهما في السيطرة النافذة بتحوير الصراع المتناقض، من خلال دعم الأطراف الدولية ذات المصالح بتأجيجه والمشاركة في دعم كل منهما، وهذا ما يزيد المشهد تعقيدًا بخضوعه لحروب باردة وساخنة، تدفع الساحة إلى مزيد من الاستنقاع، حيث تضطلع أميركا بهذا الدور عبر توسيع هيمنتها، سواء بالتدخل العسكري أو من خلال تغيير خططها التكتيكية، حيث إنها تريد تنفيذ أجندتها الخاصة بقيام أنظمة تجعل العامل الأميركي حاجة إلى طرفي الصراع، بتحديد شروط الحرب وإنهائها، وضامنًا لاستقرار ومصالح العدو الإسرائيلي من جهة، وللدول العربية التي تعتمد عليها، كلاعب رئيس في المنطقة، لضرب النفوذ الإيراني الجار الخطير، الذي صدّر أجندة المقاومة التحريرية للاحتلال الإسرائيلي، والتي ما زالت ذريعة لتفتيت المنطقة، وخاصة بعد مد نفوذها وسيطرتها العضوية على العراق واليمن ولبنان وفلسطين وسورية، خاصة بعد الاتفاق النووي الذي كان الأثر المباشر لدخولها رسميًا في الملف السوري، بالضوء الأميركي الأخضر، وبالتالي إعطاء المشروعية للتدخل الإسرائيلي بالذريعة ذاتها، أي مواجهة الخطر الإيراني، وعليه تستمر المقايضات الابتزازية للدول العربية التي أبدت انفتاحًا، ببداية التطبيع مع إسرائيل في شكلها العلني في مؤتمر وارسو”.

وتساءلت: “هل يمكن مقايضة الانسحاب الأميركي بانسحاب إيراني، وتحديدًا في المشهد السوري الذي يعتبر حجر الزاوية والفصل في تحديد معالم المنطقة، حيث إن إيران لصيقة بالنظام السوري، وتتحكم فيه كأداة في المواجهة، وما يزال الموقف الأميركي يغير تموضعه بحسب مصالحه وتوازن القوى مع روسيا، حيث يكمن التحدي الأميركي/ الإسرائيلي في التوصل إلى تفاهمات استراتيجية مع روسيا، وقد اضطلعت بدور الوسيط بين الطرفين الإيراني والإسرائيلي، في سياق التشارك والتناقض مع جميع الأطراف، وبالتالي علينا -السوريين- البناءُ على هذه التناقضات الدولية والإقليمية، حيث تحول العامل الخارجي إلى عامل داخلي فرض علينا ضرورة التعاطي معه، بهدف تحقيق التسوية السياسية، وفق مصالحنا الوطنية، وفق مظلة جنيف التي توجب خروج جميع الميليشيات الأجنبية من أرضنا، وعلى رأسها إيران، ومن المؤسف -تاريخيًا- أن نكون خارج السياق، بتغيير السياسات الدولية، إلا وفق المشروع الوطني الذي يتطلب دعمًا لاستقلالية القرار الذي نفتقده، والذي يزيد الاستنقاع بحرب طويلة الأمد على حسابنا”.

من جهة ثانية، أكّد الباحث والمعارض السوري حسن النيفي لـ (جيرون) أن “ما قاله غليون أمرٌ مهمٌ، إلا أنه ليس بجديد، ذلك أن العداء المزعوم بين أميركا وإيران هو عداء تمت هندسته وتوظيفه بحدود معينة لخدمة الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، إلى درجة يمكننا فيها القول إن وجود إيران كعامل استنزاف للأمن القومي العربي هو ضرورة استراتيجية لأميركا وإسرائيل معًا، وفي ضوء ذلك يمكننا تفسير سبب قيام أميركا بتسليم العراق لإيران، ولماذا لا تهدف أميركا إلى إسقاط نظام الأسد، أو الاستهداف المباشر لـ (حزب الله) في لبنان، علمًا أن زوال نظام دمشق و(حزب الله)، يمكن أن يجسدا تقزيمًا كبيرًا لنفوذ إيران في المنطقة”.

وأضاف: “أعتقد أن مواجهة العرب للخطر الإيراني مشروطة بقيام استراتيجية أمنية عربية على المستوى القومي، والمؤسف أن هذا الأمر متعذر في الراهن المنظور، بسبب تسلط الأنظمة العربية القائمة، وتبعيتها المطلقة للخارج غير الوطني، وبالتالي ليس أمامنا -السوريين- سوى العمل الجاد، والتأسيس الصحيح لبنى الثورة، والتمسك بثوابتنا الوطنية، وبناء استراتيجيات تمكننا من الاستمرار في المقاومة في ضوء اختلال موازين القوى الراهنة، كما أعتقد أن العمل على إنتاج قيادة للثورة، تتجاوز الكيانات المهلهلة وتستطيع العمل على استعادة المبادرة الوطنية، هو من الأولويات الأساسية”.

أما الكاتب السوري عبد الباسط حمودة فقال: “ما قاله الأكاديمي السوري يحمل الكثير من الصدقية، واستشراف حقيقة العلاقات العربية مع الجوار الإقليمي والدولي؛ فبعد مرور أربعة عقودٍ على نظام الملالي والوعيد والتهديد المتبادل بينهم من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، بقيت حبيسة الشعارات وحناجر الهتافين، فيما لم يكن التنفيذ إلا من خلال ضربهم جميعًا لعددٍ من دولنا العربية، ليأتي الوقت الذي تتخلى فيه طهران وتل أبيب وواشنطن، ليس فقط عن التهديدات العسكرية المباشرة، بل عن شعاراتهم العدائية المتبادلة أيضًا؛ إذ إن نظام الملالي مُنتج أميركي في الأصل. فالعلاقات الإيرانية من جهة، والأميركية والإسرائيلية والعربية من جهة أخرى، لم تنقطع أساسًا منذ ما يسمى الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وقد تنوعت هذه الاتصالات ومستوياتها، وتمخض عن هذا النوع من التواصل تفاهمات أميركية أساسية مع نظام طهران في أكثر من محطة، حيث كانت عاملًا مهمًا، وحاسمًا، في تنسيق ودعم الهجوم الأميركي على أفغانستان، لإسقاط طالبان وحليفها تنظيم القاعدة عام 2001، وعلى النسق والتوجه نفسيهما تم التنسيق الكامل بينهما بشأن العمليات العسكرية الأميركية، لاحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003، حيث أكدت إيران مرارًا -على لسان قادتها- أنها ساهمت في حسم عملية الاحتلال وإنجاحها وبتأييد عربي من كل الدول حينها، وخاصة من يحمل لواء العداء لإيران والرغبة في تحجيم دورها في هذه الأيام، ناهيك عن المساهمة العسكرية لهذه الدول، ومنهم متشدقو القومية والممانعة كنظام آل أسد الجواسيس”.

وأضاف: “المسألة مكشوفة لكل مهتم بالشأن العام؛ إذ إن ضرب مفاعل تموز بالعراق لم يستدعِ أي حلف دولي، سوى الإيعاز لكلب حراسة مصالح أميركا بالمنطقة العربية لقصفه، وهو الكيان الصهيوني ربيب نظام الملالي وحليفهم الاقتصادي. وفضيحة (إيران غيت) لم ننسَ أطرافها بعد، خاصة مهندسها المدعو (صادق طبطبائي) أحد أقارب (الخميني) كما أن التبادل التجاري بين الكيان الصهيوني وإيران لا يخفى على أحد، وخاصة في النفط والصناعات النفطية، وبإشراف تام من يهود إيران المشابه لدور عملاء طهران وحلفائها في بلداننا العربية. فالعلاقات الإيرانية الصهيونية رافعتها كره العرب، وأدواتها يهود إيران بالداخل الإيراني من جهة، وميليشيا إيران وعملائها التابعين والطائفيين في بلداننا العربية من جهةٍ أخرى. وتغيير الاستراتيجية الكونية الأميركية، حيال منطقتنا العربية، غيرُ ممكن بالمدى المنظور، طالما أن العمل العربي المشترك معطل إلا بالتنسيق الأمني ضد شعوبنا وآمالها، وطالما أن أنظمة الطغيان العربي هي التي تحتمي واهمةً بأميركا و(إسرائيل) من أي تهديد داخلي، وهي التي ستنهي تلكم الأنظمة ولكن لمصلحتها، وليس لأي شيء آخر”.

ونبّه إلى أنه “يجب أن لا ننسى تبعية الأنظمة العربية والارتهان للخطط الخارجية وتقديم الأوطان عربون وفاء للطغيان الدولي ومادة لسياسة إيران وبراغماتيتها التي لا تخطئها العين. ولن يكون مستقبل لمنطقتنا وشعوبنا إلا بالعمل الدؤوب والمستقل عن تلكم السياسات، فكم كشفت ثورتنا السورية العظيمة خاصة، والربيع الديمقراطي العربي عامة، حجم العُهر العربي والدولي حيال مستقبل بلداننا وشعوبنا، وزيف تشدقهم بحقوق الإنسان وحرية الرأي والرأي الآخر، وهم كاذبون جميعًا ومشاركون في خطط الاحتلالين الصهيوني والإيراني وباقي الاحتلالات، وبالتالي تأخير التقدم ووحدتنا العربية التي من دونها لن يكون لنا مستقبل ولا استقلال عربي ولا تقدم أيضًا لشعوبنا وأوطاننا، على ألا يخدعنا التواطؤ الروسي الإيراني الأميركي المكشوف”.

محيي الدين بنانا، الأكاديمي ووزير التربية والتعليم السابق في الحكومة السورية المؤقتة، كان له رأي مختلف، إذ قال لـ (جيرون): “إن ما قاله د. برهان غليون لا يتطابق مع الواقع على الإطلاق، فلا حاجة للإنسان العربي إلى أميركا كي تقول له إن إيران دولة عدوة؛ حيث إن إيران نفسها تقول لنا يوميًا إنها عدوة للعرب من خلال ممارساتها اليومية في سورية والعراق واليمن ولبنان، وفي كل أرجاء الوطن العربي، وانطلاقًا من ذلك فإن العدو الآني والاستراتيجي للعرب هو إيران”.

وأضاف: “أميركا ليست بحاجة إلى العرب كي يدعموا استراتيجيتها في تحجيم دور إيران في المنطقة، أو تغيير النظام الإيراني، فهناك تقاطع مصالح معها في العداء لإيران، ويجب ألا ننسى أننا عندما نتكلم عن أميركا، تكون المعنية إسرائيل التي لا يمكن أن تقبل بالوجود الإيراني في الأراضي العربية. لأن إسرائيل تعتبر أن هذه المنطقة لها، ولن تسمح لأي دولة بالهيمنة عليها، خاصة بضعف المشروع العربي، أو حتى غيابه، وبالطبع علينا نحن -السوريين- محاربة هذا العدو الفارسي المجوسي بكل الوسائل، بغض النظر عن أميركا أكانت صادقة في عدائها لإيران أم لا.”

محمد عمر كرداس، كاتب ومعارض سوري، رأى أن “الثورة الإيرانية على الشاه في بدايتها لم تكن ثورة ملالي، بل كانت ثورة شعب، بكل فئاته ومختلف اتجاهاته الليبرالية واليسارية والشيوعية والقومية والدينية، ومن هنا جاء التأييد الواسع لها في الوطن العربي. ولكن الخميني ومجموعة المتطرفين الدينيين استطاعوا التخلص من كل حلفاء الثورة من بني صدر، إلى مهدي بازركان إلى قطب زادة، إلى توده، ومجاهدي (خلق)، إما بالطرد، أو الاعتقال، أو القتل، وأعلنوها جمهورية إسلامية، تأخذ بولاية الفقيه بوصفها البديل عن حال الطوارئ، لتُحكم قبضتها ولتمنع الأحزاب، وحركات المجتمع المدني، وتعلن شعار تصدير الثورة، والمقصود به الإقليم العربي من البحر الأبيض إلى الخليج. ويعني ذلك أن إيران ستتمدد خارج حدودها، وقد بدأ هذا التمدد في لبنان، حيث تم القضاء على المقاومة الوطنية، لتقوم مقاومة من نوع جديد تحت رايات الولي الفقيه”.

وأضاف لـ (جيرون): “بعد ذلك، قامت الحرب بين إيران والعراق، والدليل الواضح على الاستراتيجية الغربية فيها هو دعم الطرفين لاستمرار الحرب والتدمير والقتل، وقد أسفرت هذه الحرب بالنتيجة النهائية عن احتلال العراق، وإطلاق يد إيران فيه، خلافًا لكل الكلام الأميركي الذي كان يعلن عداءه لإيران. وهنا تتكشف بشكل واضح استراتيجية أميركا وحلفائها، فبعد التعاون الأميركي الإيراني في أفغانستان، جاء التمدد الإيراني في العراق، وهذا معناه أن كل ما يقال ويشاع عن عداء أميركي لإيران هو مجرد تعمية تخفي تحتها رغبة في استمرار الصراع والعمل على تأجيجه بين العرب وإيران، لاستمرار الابتزاز وإعاقة أي تقدم للتنمية والديمقراطية في المنطقة بحجة التهديد الإيراني”.

وتابع: “لا شك في أن أنظمة الأمن القومي الأميركي من العرب مرتاحون لهذا الوضع، الذي يبقيهم على رأس شعوبهم سنين طويلة. وإذا نظرنا إلى الخلاف بين إيران والكيان الصهيوني، فإننا نجده خلافًا في الإعلام فحسب، مع بعض الرتوش، ضربة هنا وضربة هناك قضية ثانوية، لكن الحقيقي هو عندما عمل الكيان على تحطيم المشروع النووي العراقي، وبقي المشروع الإيراني سليمًا، وكوفئ على يد أوباما الذي يرى في إيران بلدًا حضاريًا، ويرى العرب بدوًا ومخالفين لا يثق بهم”.

ثم انتهى إلى القول: “الإدارة الأميركية تريد من إيران حماية مصالح أميركا في المنطقة، وعدم التعطيل عليها، وإيقاف التهديد الإيراني للكيان الصهيوني، ولو كان لفظيًا، وهي على استعداد لاعتمادها شرطيًا في الخليج مرة أخرى، لتضمن بذلك استمرار عدائها للعرب واستفزازهم، وقد أعلنها ترامب صراحة: إذا رفعت الحماية عن آل سعود فستسقط دولتهم خلال أسابيع، وهذا هو جوهر الموضوع، أما في الوضع السوري فالموضوع أصبح أكثر تعقيدًا، ولا يمكن حل مشكلة الوجود الإيراني في سورية، الذي انتقل من مجرد تحالف في الثمانينيات، إلى وجود على الأرض منذ بداية المسألة السورية، ولا أتصور أن هناك حلًا إلا في إطار الحل الكامل للمسألة، وأرى أن ذلك ما زال في بداياته وبعيد المنال”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق