مقالات الرأي

الجزائر في نفق المجهول

قاومت الجزائر بقوة ارتدادات الربيع العربي التي حدثت قبل ثماني سنوات، في جوارها كتونس ومصر ومن ثم ليبيا، أو أبعد قليلًا كسورية واليمن؛ فذكريات “العشرية السوداء الدامية” أو الحرب التي بدأت عام 1991 بين الجيش والإسلاميين، بكل فظاعاتها وضحاياها وصور الموت والدم التي ارتكبها الطرفان، شكّلت حاجزًا من الخوف والرعب لرفض استعادتها ثانية.

لكن الجزائر اليوم بلد شبابي بامتياز، فمن أصل 42.2 مليون مواطن عام 2018، نجد “أن 70 بالمئة منهم تقل أعمارهم عن 30 سنة”، فيما أعداد من كانوا بالغين/ أي 18 سنة أو أكثر عام 1962 تاريخ الاستقلال، لا يتجاوز مجموعهم الآن 1.04 مليون ممن يمكن أن يقال إنهم عايشوا الثورة والتحرير، أي أنهم أقلّ من 2.5 بالمئة من الجزائريين.

وبين هؤلاء الأقلية، هناك بضع مئات من الأشخاص الذين يفتخرون بانتمائهم إلى “جبهة التحرير الوطني” كحزب كان يمثل الجناح السياسي لجيش التحرير الوطني، الذي قاد ثورة المليون شهيد ضد الاستعمار الفرنسي، وكانوا من أهمّ عناوين حركات التحرر العالمي، ذات الطابع الاشتراكي التي شكلت رديفًا التحق بالمعسكر السوفيتي زمن الحرب الباردة، وهم بكل هذا الإرث يشكلون طبقة سياسية متحكمة في مصير البلاد والعباد، ويسيطرون على مفاصل المؤسسة العسكرية وامتيازاتها، ويتمترسون اليوم خلف شخص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي عدّل الدستور عام 2009 ليُسمح له بالترشح لعهدة رئاسية ثالثة، ثم رابعة جاءت بعد أن أقعدته سكته دماغية عام 2012، وتركته عاجزًا عن القيام بوظائفه الفيزيولوجية والحركية، حتى النطق أو الكتابة، لدرجة أن السلطة تدار -منذ ذلك التاريخ- تحت اسم أو وهم الرئيس، الذي لم يستطع أن يقوم بأي لقاء دبلوماسي أو حكومي أو أن يتواصل مع شعبه في أي مناسبة، مكتفين بصوره القليلة.

ويعترف الجزائريون بأن مجيء عبد العزيز بوتفليقة إلى السلطة عام 1999، منح الجزائر فرصة من الاستقرار النسبي، مستفيدًا في تلك الحقبة من ارتفاع أسعار النفط والغاز في دولة ريعية كالجزائر، ليصنع المصالحة الوطنية، ويلبي جزءًا من احتياجات الناس، ويشتري ولاءات أغلب القوى السياسية والمدنية وشخصيات من المؤسسة العسكرية التي تفتخر بأنها الوريث الشرعي لجيش التحرير الوطني، وليعيد لبلد المليون شهيد شيئًا من هيبته وتماسك مؤسسات السلطة فيه عبر عشرينيتين، جرت مياه كثيرة خلالهما في البلد والمحيط والعالم ككل.

أهمّها تغول النيوليبرالية عالميًا، بعد سقوط المعسكر الشيوعي، وصولًا إلى انتفاضات الربيع العربي في المنطقة، مرورًا بانخفاض أسعار النفط التي عرّت هذه الأنظمة ذات الاقتصاد الريعي، وفضحت عجزها عن خلق فرص إنتاج وتنمية موارد المجتمع والاستثمار في التعليم والصناعة، حتى الاقتصاد التقليدي القائم على الزراعة والسياحة تدهور في السنوات الأخيرة.

أي أن خلفية الحالة الاقتصادية، بالتزامن مع إغلاق المجال السياسي أمام الفئات الشبابية، وأمام أي ديمقراطية تقوم على تبادل السلطة، شجعت الملايين من الشعب الجزائري على الصراخ برفض إعادة ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة، وهم يُدركون أنه عاجز تمامًا عن القيام بوظائفه البيولوجية، ناهيك عن ممارسة مهامه الرئاسية بما تفترضه من نشاط وإدارة وتنمية وخطط استراتيجية… الخ.

الشعب الجزائري اليوم يرفض أن يعيش على ذكريات حقبة زمنية لا يتجاوز عدد من عايشها 2.5 بالمئة من الجزائريين، بينما غالبية الشعب تبحث عن فرص العمل، وإمكانات الحياة الكريمة، إضافة إلى ممارسة حقوقهم في صنع مستقبل البلاد التي تخلفت كثيرًا.

غير أن الأهم من كل هذه التفاصيل أن ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة باطلٌ دستوريًا، وفق المادة 142 من الدستور أو “القانون العضوي”، التي تشترط أن يرفق كل مرشح ضمن جملة وثائق “شهادة طبية تؤكد سلامته الجسدية والعقلية من قبل أطباء مُحلَّفين، مع التوقيعات التي نص عليه القانون العضوي”، وأعتقد أنها فضيحة سياسية وعلمية كبيرة أن يُجبَر بعض الأطباء على توقيع شهادة طبية كهذي.

كما أن الرئيس موجود في مستشفى جامعي في جنيف، ولم يستطع العودة إلى الجزائر ليقدم ملف ترشحه إلى اللجنة الدستورية، تلك اللجنة التي رأت وصرحت بوجوب تقديم هذا الملف شخصيًا، وهذه فضيحة دستورية أخرى لم يبت بها بعد. بالمقابل خرج رئيس الحملة الانتخابية لبوتفليقة عبد الغني زعلان، يوم الأحد، يقول في رسالة نسبها إلى الرئيس القابع في جنيف، والعاجز عن القراءة أو الكتابة، إنه (أي الرئيس) في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة يوم 18 أبريل القادم، سيقوم بتنظيم “ندوة وطنية شاملة جامعة ومستقلة، لمناقشة وإعداد واعتماد إصلاحات سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية، من شأنها إرساء أسس النظام الجديد الإصلاحي للدولة الوطنية الجزائرية المنسجمِ كل الانسجام مع تطلعات شعبنا”، كما يتعهد بتنظيم انتخابات رئاسية مُسبقة طبقًا للأجندة التي تعتمدها الندوة الوطنية، مؤكدًا أنه لن يكون مترشحًا فيها.

إضافة إلى تعهده بإعداد دستور جديد يُزكّيه الشعب الجزائري عن طريق الاستفتاء، ووضع سياسات عمومية عاجلة كفيلة بإعادة التوزيع العادل للثروات الوطنية وبالقضاء على كافة أوجه التهميش والإقصاء الاجتماعيين، وتعبئة وطنية فعلية ضد جميع أشكال الرشوة والفساد.

رسالة الزعلان تشكل فضيحة سياسية أيضًا، إذ يعترف فيها بأن الرئيس أو السلطة السياسية كانت مقصرة خلال 20 سنة عن إصلاح الدولة الوطنية الجزائرية، إصلاحًا ينسجم مع تطلعات الجزائريين في الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويعترف قارئ الرسالة بأن توزيع الثروات الوطنية لم يكن عادلًا، وأن الشباب الجزائري لم يكن فاعلًا أو مشاركًا أو مستفيدًا في الحياة العامة، بل مغيبًا ومهمشًا من قبل السلطة.

مع أن صوت الشعب الذي سمع أنينه بوتفليقة، وفق نص الرسالة، بعد أن وصل إلى جنيف، يقول: “الشعب يريد إسقاط النظام” ويضيف: “لا لعهدة خامسة لبوتفليقة”!

ربما تتوضح معالم الصورة تدريجيًا، إذ كان على الطبقة السياسية المتحكمة في القرار الجزائري أن تحترم تاريخ وعجز الرئيس بوتفليقة، وتنأى به عن مصير غير مشرف يضعه في مواجهة شعبه، كما حصل مع القذافي أو الأسد الصغير في دمشق، لكنهم أرادوا تمرير الانتخابات عبر وعود جوفاء لن يصدقها أحد، والمسألة لا تتعلق بما يسمع أو يريد الرئيس، شبه المعزول في مشفاه، بل تتعلق بمصالح وامتيازات تلك الطبقة الحاكمة باسم الرئيس، ورغبتهم في الحفاظ عليها لأطول وقت ممكن، وإذا رفض الجزائريون تلك الوعود الخلبية، فربما يلجؤون حينئذ إلى إعلان حالة الطوارئ، لتمرير هذه المرحلة الانتقالية بشكل غير دستوري، كما فعل البشير في السودان.

لعبة ترشيح الرئيس بوتفليقة مستمرة من دون علم الرجل أو إدراكه لخطورة ما يجري أو يكتب أو يُقرأ باسمه، فالتعديلات التي أقرّت في شباط/ فبراير عام 2016 الخاصة بالترشح لمنصب رئاسة البلاد في الجزائر، تنص على “احترام الدستور والقوانين المعمول بها، والالتزام بالامتثال لها، وتكريس مبادئ السلم والمصالحة الوطنية، ونبذ العنف كوسيلة للتعبير (و/ أو) العمل السياسي والوصول (و/ أو) البقاء في السلطة، والتنديد به، واحترام الحريات الفردية والجماعية، وحقوق الإنسان، ورفض الممارسات الإقطاعية والجهوية والمحسوبية”.

والطغمة الحاكمة تُدرك أن ترشيح الرئيس مسألة غير دستورية؛ نظرًا إلى عجزه الصحي جسديًا وعقليًا، وعجزه عن تقديم ملف ترشحه شخصيًا، إضافة إلى كونه يشكل نقيضًا لمفهوم ومنطوق التعديل السابق، إذ يؤسس لمرحلة من العنف والاستئثار بالسلطة، يمكن أن تُدخل الجزائر في نفق مجهول من الفوضى والاحتراب الداخلي، ربما تكون ذكريات العشرية السوداء مجرد مزحة أمامها، خاصة مع جاهزية التطرف الإسلامي لدخول المعركة بشهيّة لا تقلّ عن شهية العسكر، وما حدث في ليبيا أو سورية أو اليمن -وهو مستمرٌ حتى الآن- شاهدٌ على مآلات جشع النخب الحاكمة وتمسكها بالسلطة، على مبدأ “الأسد أو نحرق البلد”.

هذا هو “الدرس السوري” الذي يجب على رئيس الحكومة أحمد أويحيى أن يعيه، وليس رفض المطالب الشعبية بالحرية والإصلاح والديمقراطية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق