هموم ثقافية

نسخة سورية من كليلة ودِمنة

مع توسع الثورة السورية وامتدادها عبر المكان والزمان، لتشمل الجغرافية السورية كلها، معلنةً استمرارها حتى تحقيق مطالب شعبها بدستور مدني ينحّي الجيش والأمن والحزب الأوحد عن قيادة الدولة والمجتمع؛ لم تحقق مدرعات النظام وبراميله وطائراته أهدافها المنشودة في قمع الشعب الثائر لحريته وكرامته؛ فأوعز النظام المجرم إلى ماكينته الإعلامية أن تضفي هالة رمزية-أسطورية على كل من يقاتل في صفه ضد الشعب الثائر، لعل الأسطورة تنجده في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه ثعالب الواقع المرير وبنات آوى الاستشارات الإجرامية.

بعد مدة وجيزة من نشاط ماكينة النظام الإعلامية؛ صار متابع نشرة الأخبار، على قنوات إعلام الممانعة، يشعر بأنه واحد من شخوص رسالة غفران المعري تارةً، أو فردوس ميلتون المفقود، أو كوميديا دانتي أليغييري الإلهية تارةً أخرى، وهو يستمع إلى تلك القنوات، حين تصف طائفة من كهنة الحرب المجرمين بأنهم (رجال الله) وجماعة أخرى بأنهم (القديسون).

ولربما انخدع بعضنا بهذه الألقاب الجماعية، وهي تعكس صورة مضللة عن أصحابها، تشبه صورة الظلال الخداعة التي عكستها النار المشتعلة في كهف أفلاطون، حين راح يقدم لنا أمثلة واقعية حول نظرية المُثل.

لكن المتلقي الحصيف، إذا انتقل من تلك الألقاب العامة التي لا تستقطب إلا أغرارًا، ليكونوا آلة الحرب حرقًا أو وقودها احتراقًا، إلى النظر في ألقاب بعض جنرالات الحرب أو مجرميها مثل: (نمر روسيا) أو (كلب إيران) أو (أسد إسرائيل) سيكتشف بسهولة أن واقع سورية اليوم لا يشبه غفران المعري ولا فردوس ميلتون المفقود، وإنما هو أشبه ما يكون بغابة الثور (شَتربة) في قصة (كليلة ودمنة) لروذبة بن داذويه وعبد الله بن المقفع، فلا نمر غابتنا نمر حقيقي، ولا كلبها يعرف الوفاء، ولا هيبةَ لأسدها المختبئ حتى من خوار الثيران وأصوات المفرقعات، ولا يجرؤ على الظهور في ساحات الغابة ولا في غوطتها، إلا إذا أوحت له بنات آوى بضرورة الخروج خلف الثعلب كليلة مرة، وبسيارة الثعلب دمنة مرة أخرى. ونمرُ غابتنا وإن كان يشبه (شريخان) نمر (ماوكلي) فتى الأدغال في غابة (جيرود)، فإنه يخلط في شخصه الكوميدي بعضًا من فنتازيا السنور الحكيم مع هزلية النمر الوردي في سيركه الشهير.

ما يحزننا حقًا في شخوص مزرعتنا أن لا أحد فيها يحظى بقدرة التأثير الواقعي الإيجابي فيها، ولا فائدة رمزية نرتجيها من تلك الأسماء في غابتنا، ولا حكمة خلف أبعادها الأسطورية، حتى لَحْم ثورِها الذي طالما سمع أهل الشام خواره في الغوطة، اكتشفوا أنه من لحم الحمير؛ وكثيرًا ما غُرر بهم، وأُطعموا منها هم وسياح النفاق الذين يدعون أن لا شيء غير العافية في الشام، وفي مطاعم الشاورما الشهيرة أو محلات الهمبرغر الحديثة فيها.

لا يسعنا إلا أن نقول: بالعافية صحتين وهنا، لمن أتى طوعًا ليأكل؛ ويتبجح على شاشات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

أما أهل الشام، فلا شك في أنهم يعانون الأمرّين، حيث يمتعض بعضهم من الواقع المؤلم؛ فيسأله صديقه القصاب: كيف نميز لحم الغنم من لحم الحمير؟ فيقول القصاب: إذا شعرت بطعم غريب جدًا لم تذقه من قبل، فاعلم أنك تأكل لحم غنم، وإلا فأنت تأكل لحم حمير. والراجح أن أهل الشام لن يسكتوا لمن تجاوز استهداف بيوتهم وأبنائهم ولقمة عيشهم؛ ليُدجن عقولهم، إذا ثبتت صحة آراء ابن خلدون في مقدمته حول تأثير أنواع اللحوم في عقول آكليها، حين قال: إن العرب أكلوا لحم الجِمال وأخذوا غيرتها وعنادها، وأكل التركُ لحمَ الخيل وأخذوا شِدتها.

لا شيء يبشر بخير، سيأتي أهلَ الشام المقهورين بغاز منزلهم ومازوت تدفئتهم ولقمة خبزهم، إلا استمرار ثورتهم، وارتفاع صرختهم التي ستعلو ملء الحناجر من جديد، وهي تملأ هذا الفضاء حين تقول: “بلغ السيل الزبى”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق