مقالات الرأي

هل تستطيع روسيا حل المعادلة السورية؟

اقتنع العالم، بعد ثماني سنوات من عمر الثورة السورية، بأن الموقف الروسي ثابت لا يتزحزح حيال الملف السوري، حيث حسمت موسكو أمرها بالوقوف إلى جانب النظام الأسدي الاستبدادي الفاسد. ولطالما تساءل كثيرون: هل مصالح روسيا بالفعل مرتبطة بعائلة الأسد أم بالنظام ككل، أم هي متعلقة بالإبقاء على سورية كدولة تابعة لروسيا، حتى إن بعض المواطنين الروس أصبحوا يقولون “سورية لنا”، على شاكلة “القرم لنا”. ويحتار المراقب في فهم هذا الإصرار الروسي الذي لم يقدم لموسكو حتى اليوم ثمنًا مضمونًا وهدفًا مهمًا، فعلى الرغم من كلّ ما قدمته روسيا من دعم شامل لنظام الأسد، وقد تُوّج بتدخل عسكري سافر واحتلال لأجزاء واسعة من سورية؛ تبقى حتى اليوم هي الخاسرة، لأنها تخطط لأشياء لم يتحقق منها شيء تحققًا أكيدًا:

  • أرادت روسيا استخدام الورقة السورية، في فرض حضورها لمحاورة الغرب محاورة الند للند، ولكن هذا لم يتحقق، لأن الغرب ما زال يتجاهل كل المواقف الروسية، ويشدد عليها الضغوطات ويضيق الخناق على اقتصادها. ووصل الأمر إلى جرّ روسيا إلى أخطر مرحلة، وهي سباق التسلح والحرب الباردة، التي لن يتحملها الاقتصاد الروسي مقابل الاقتصاد الأميركي الضخم، ونفقاته العسكرية التي تزيد على نفقات موسكو بأكثر من 10 مرات. ثم إن المعطيات الداخلية في روسيا تشير إلى تراجع مستوى المعيشة ومعها النمو الاقتصادي، وازدياد نسبة التضخم، وحالة الفقر تمسّ حياة أكثر من 30 مليون شخص (علمًا أن بوتين قال إن هناك 19 مليون فقير في روسيا). ويكفي أن نذكّر بقول ألكسي كودرين (وزير المالية الأسبق المقرب من الرئيس بوتين، ورئيس غرفة الحسابات والرقابة المالية في روسيا): “إن لم تتراجع روسيا عن تدخلاتها الخارجية وسعيها للتوسع؛ فإن مصير الاتحاد السوفيتي ينتظر روسيا”. ويدعو كودرين إلى التركيز على التنمية الداخلية، وخاصة الاهتمام بالوضع الصحي والتعليمي للمواطنين.
  • اعتقدت روسيا بأنها ستحقق النصر الساحق على “الإرهاب” الذي تقصد به المعارضة المسلحة، خلال ثلاثة أشهر، لكنها ما زالت تبحث عن حل لإيقاف القتال، بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات.

تجد روسيا نفسها اليوم واقعة بين أكثر من نار، في الواقع الميداني في سورية. فعليها تحجيم أو إنهاء الوجود الإيراني الذي يقلقها ويزاحمها على امتلاك القرار في دمشق، ويهدد مصالحها الاقتصادية، وبين “إسرائيل” التي قالت للكرملين إنها ستقصف المواقع العسكرية الإيرانية دونما استثناء، ومن ضمنها مطار دمشق الدولي (علمًا أن هناك تسريبات تقول إن موسكو طلبت من نتنياهو، خلال زيارته الأخيرة في 27 شباط/ فبراير، أن يستثني مطار دمشق فرفض نتنياهو بحزم) وبين الولايات المتحدة التي تريد إنهاء الوجود الإيراني، وفرض معادلات في شرقي سورية لا تريح روسيا، وذلك باللعب على وتر المنطقة الآمنة في شمال سورية، بتقربها تارة من تركيا، وتارة بتمسكها بدعم قوات (قسد) “وحدات الحماية الشعبية”.

  • وهناك الملف الأهم وهو البدء بمرحلة إعادة الإعمار في سورية، التي تشكل معضلة حقيقية لموسكو التي تريد أن تعوّض خسائرها خلال ثماني سنوات، وتريد أن تقول للمواطن الروسي: “انظروا، حققنا أرباحًا من الاستثمارات في سورية”. وقد قالها دميتري روغوزين (نائب رئيس الوزراء الروسي) أثناء وجوده في دمشق: “المواطنون الروس ينتظرون تعويض كل دولار صرفناه في سورية”! ولكن من أين تأتي الأموال للإعمار، فالسماء لا تمطر ذهبًا؟ ويعرف المتابعون للوضع الروسي أن الروس غير مستعدين للتمويل، لأنهم أصلًا يحتاجون إلى دول تأتي لتستثمر عندهم، في وقتٍ نشهد فيه هروب الرأسمال الروسي إلى الغرب. وحكى لي صديق روسي، زار سورية مع وفدٍ من رجال الأعمال منذ أشهر، أن مسؤولًا سوريًا قال لهم: “تعالوا واستثمروا وسنعطيكم امتيازات كبيرة”. فرد عليه رجل أعمال روسي قائلًا: “نحن مستعدون للاستثمار، وشركاتنا جاهزة، لكن قدموا لنا المال”.
  • منذ سنوات، أنا أطرح على الروس الذين أقابلهم، من سياسيين وخبراء وإعلاميين، سؤالًا محددًا: لماذا لم تقدّم روسيا مبادرة للحل السياسي غير سياسة إعادة تلميع النظام الأسدي، فهذه فكرة عقيمة لن تثمر في المرحلة القادمة إلا الفشل، ليس فقط للأسد بل لروسيا أيضًا. وكان الجواب واضحًا: “لم يحن الوقت بعد”. غريب! هل كانت روسيا تنتظر دمار سورية كاملة، لغاية في نفس يعقوب، أو تحقيقًا لأجندة مشتركة مع قوى دولية وإقليمية؟ ولو أن روسيا قدمت مبادرة سياسية حقيقية في عام 2012؛ لتمكنت من تجنب إراقة دماء مئات الآلاف، قبل أن تظهر (داعش) وتقوى (وحدات حماية الشعب) ويحدث التدخل الأميركي وغيره. كل وفود المعارضة التي زارت موسكو منذ 2011 قالت للمسؤولين: “نحن -بوصفنا معارضة- مستعدون لضمان كافة مصالحكم، بشرط أن توافقوا على التغيير السياسي في سورية للتخلص من حكم عائلة الأسد”. لكن الغريب أن الروس كانوا يردون بتكرار عبارات شكلية من قبيل “نحن لا نتدخل في شؤون الدول، ولا نغيّر الحكام، ونحن مع القانون الدولي وسيادة الدول، ووووووو”. لكن الحقيقة أنهم مارسوا عكس هذه التصريحات تمامًا. والسبب في الموقف الروسي المذكور هو أن روسيا لم تذهب إلى سورية لحل المشكلة، بل لتثبت واقعًا سياسيًا، ولو على حساب الدماء السورية. والأهم من ذلك أنها أرادت استغلال انتصاراتها العسكرية في حل ملفات دولية ساخنة مع الغرب، وخاصة في أوكرانيا. هذا يعني أن السوريين ليس لديهم ما يقدمونه لموسكو. وأصبحت سورية ضحية للصراع الجيوسياسي الروسي الغربي.
  • سمعنا مؤخرًا أن الرئيس بوتين طرح فكرة جديدة للحل في سورية، مفادها تشكيل مجموعة عمل دولية تضم كل المعنيين بالنزاع في سورية، ومن ضمنهم “إسرائيل” والنظام وربما المعارضة، لإيجاد حل يؤمن الاستقرار السياسي بعد الانتهاء من الإرهاب، وخروج كل القوات الأجنبية (غير الشرعية طبعًا). وهناك تسريبات تأتي من “إسرائيل” تقول إن روسيا وعدت نتنياهو بأنها ستعمل على إخراج القوات الإيرانية، بعد خروج القوات الأميركية (وعيش يا كديش….).
  • لماذا سكتت موسكو طوال هذه المدة، وامتنعت عن اقتراح حل مقبول للأزمة السورية، يرضي الشعب السوري قبل أي طرف آخر، باعتباره صاحب حق في العيش الكريم والحر في بلاده. وللأمانة نقول: ليس موسكو وحدها التي صمتت بل الإدارات الأميركية والدول الغربية وأغلب الدول الإقليمية كلها صمتت، ولم تتخذ موقفًا فعالًا للخروج من الأزمة، وكأن خطة ما كانت تُنفَذ، انتهت بتدمير البلاد والعباد.
  • أقول ذلك لأن ما نسمعه من خطط وأجندات مثل “صفقة العصر”، لا يمسّ مصير الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما يخص سورية والمنطقة ككل. فهناك ترتيبات دولية تشارك فيها أميركا وروسيا و”إسرائيل” ومعهم دول عربية وإقليمية ودول أوروبية، تسعى لتطبيق مشروع “الشرق الأوسط الجديد” (الذي اقترحه إسحق رابين منذ عشرات السنين) الذي يعيد تقسيم النفوذ والمصالح والحدود، ويعيد النظر باتفاقية سايكس بيكو التي وقعت قبل مئة عام، لكي تصبح “إسرائيل” هي الآمر الناهي في المنطقة. والغريب أن الدول العربية، مثلًا، انخرطت في هذا المشروع، بذريعة حماية نفسها من الخطر الإيراني. ولكن هل التحالف مع “إسرائيل” يحمي العرب من المخاطر الإيرانية؟ وهل محاربة إيران تقتضي الارتماء في أحضان “إسرائيل”، العدو التاريخي للعرب! أم يجب على العرب، ولو مرة واحدة -كما قال الدكتور برهان غليون- أن يشكلوا كتلة مستقلة ويتعاملوا مع إيران وغيرها بأنفسهم من دون وسيط! لكن مؤتمر وارسو قبل أسبوعين، أشار إلى هذه الحقيقة المرة، وينطبق علينا المثل “كالمستجير من الرمضاء بالنار”.
  • لا بد أخيرًا من التوقف عند زيارة الأسد لطهران، مقابل زيارة نتنياهو لموسكو (منذ أيام). وقد قوبل الاثنان بحرارة وترحيب، لكن الأسد كان ذليلًا، وكأنه يجلس بين يدي معلّمه خامنئي، من دون علَم سوري، وبحضور المجرم العسكري قاسم سليماني، وغياب السياسي الإصلاحي جواد ظريف، ما يدل على تغلب الجناح المتطرف في طهران على كفة الإصلاحيين، وهذا قد ينذر بمزيد من التوتر والتصعيد العسكري. في وقتٍ كان نتنياهو يملي فيه شروطه على موسكو، ويبلغها بأنّ “إسرائيل” ستقصف أي موقع يشتبه بتبعيته لإيران. فكيف سيفسر الكرملين ميل الأسد لإيران؟ وكيف ستفسر طهران ترحيب موسكو بنتنياهو، وعدم معارضتها لخطته العسكرية التي ستستهدف المواقع الإيرانية؟
  • أعتقد بأننا أمام مرحلة جديدة قد تُفجّر حربًا جديدة تتخطى الحدود السورية. ويبقى الشعب السوري الجريح من دون اهتمام من العالم المتخاذل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق