أدب وفنون

مسرحية “مولانا”.. الحياة حين يصنعها الطغاة

إنسان سوري فقير ووحيد في خريف العمر، يعاني اضطرابًا نفسيًا حادًا، ويجد السكينة في مزار الشيخ محي الدين ابن عربي، حيث يجلس قرب الضريح، ويحدثه عن الطغاة الذين استبدوا بحياته وأوصلوه إلى حافة الجنون، وفي الحقيقة هو يحادث نفسه، ويواسيها بعد أن طرده الجميع من مجالسهم، لعدم قدرته على إظهار الولاء الكامل لهم، وفي حديثه يحتل التعنيف الجسدي -الذي تعرض له داخل أسرته وخارجها- مركز الصدارة.

تلك كانت باختصار قصة عابد في مسرحية (مولانا)، من تأليف فارس الذهبي، وإخراج وتمثيل نوار بلبل، وهي تنتمي إلى عروض المونودراما أو الشخصية الواحدة، أُنتجت خلال عام 2018، وقُدمت في العديد من العواصم الأوروبية، ونُشرت على صفحة (إنفوغرات) في (فيسبوك)، وقد أهداها المخرج إلى كل المعتقلين في سورية والعالم العربي.

المسرحية تسترعي الانتباه والتأمل، بما تحمله من موضوعات وقضايا متشعبة ومتداخلة، تتعلق بارتدادات السلطة المستبدة على المستويين الديني والأسري، وعلى مصير الإنسان المقموع سياسيًا، والمكبوت اجتماعيًا، ولا سيما أن شخوصها وأحداثها تتحرك في دمشق، العاصمة التي تضم ضريح أحد أهم المؤسسين لنزعة الانفتاح وفلسفة الحب والتسامح، في تاريخ الفكر الإسلامي.

يبدأ منولوج الضحية الموجع وينتهي في مزار يؤمه الناسُ طلبًا لغسل ذنوبهم، وشفاعة من البطش الذي يتربص بهم من كل صوب، حيث تستيقظ ذاكرة عابد، وترسم معالم المكان والفضاء الاجتماعي الذي أنتج مأساته.

حيّ من أحياء دمشق القديمة، تتلاصق فيه الأبنية وتطل على بعضها البعض، ولا تبقي حيزًا لخصوصية الفرد أو أسراره بمنأى عن أعين المتطفلين، وبيئة تحتل دور المحرك الأساس للأحداث، وتتكون من مجموعة متباينة من البنى والمشارب، المنقسمة والمغلقة على نفسها، التي تتجاور ولا تتحاور فيما بينها، وتحكمها التقاليد والأعراف، وتكثر فيها المحرمات والمحظورات تبعًا للمرجعية الدينية والتراتبية الاجتماعية، وبعيدًا من مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان.

فضاء اجتماعي يضم الإسلام السني والصوفي وإسلام السلطان، إلى جانب المعارضة والغرباء الممثلين بالطلبة الأجانب، وفي هذا الفضاء وداخل الحاضنة السنيّة؛ وُلد عابد وترعرع، وكان يقضي أوقاته ما بين البيت والمدرسة والجامع، إلى أن قادته مصادفات الحياة باتجاه الحواضن الأخرى، وفتحت عينيه على حب الاطلاع والمعرفة وعلى أفكار ابن عربي، ومن خلال حديثه عن تجربته في الدخول إلى تلك العوالم المختلفة عن عالمه، تتكشف بالتدريج ماهية السلطات التي تحكم الفضاء، وأشكال الاحتراب والمنع والعنف بين المرجعيات والشخصيات الفاعلة في مسار الحبكة.

سلطة الأب في المنزل تعادل سلطة الحاكم المستبد في الدولة، وأي خروج عنها يستوجب التأديب والعقاب بالضرب المبرح، والأب المتسلط المتزمت سيقف دومًا عائقًا أمام ميول عابد وتطلعاته المنفتحة على الآخر، وهو يكرر على مسامعه فروض الطاعة والانغلاق، ويعدّها من المسلّمات التي يجب أن تُنفّذ ولا تُناقَش، ومن المشاهد المؤثرة في عرض (مولانا) مشهدُ أبي عابد وهو يضرب ولده بحزامه الجلدي حتى يقع مغشيًا عليه. مشهد بقدر ما هو متخيل، هو واقعي ومتعارف عليه، في بيئة اجتماعية صُممت على مقاس الطاغية، لا تؤمن بدور الحوار في التوعية، بل تعتبر الضرب أحد أهم وسائل التربية، وتعاني من ظاهرة العنف الأسري.

يسترد عابد روحه من سلطة الأب الخانقة، ويجد ملاذه في مرسم صديقه الفنان الذي يحاوره بود، ويطلعه على لوحاته الجديدة، لكن ما إن يخبره بأنه ينوي التسجيل في إحدى مدارس حفظ القرآن تلبية لرغبة أبيه، حتى تثور ثائرة الفنان ويطرده من المرسم، بعد أن يخبره، وهو يستشيط غضبًا، أن تلك المدارس تمثل إسلام السلطان، ولا تنتج سوى الشيوخ الذين يمجدون الأسد ويخدمون بقائه، هذا الفنان الذي يمثل صوت النخبة المثقفة في العرض، سوف يحترق مرسمه، ويختفي أثره بعد أن علا صوته وجاهر بمعارضته للنظام.

أيضًا شيخ الحضرة المولوية الذي لاذ عابدٌ بحمايته لينعم بالحب والجمال، والذي يدعو إليه المذهب الصوفي، سوف يصفعه على وجهه، ويتهمه بالعمالة ويطرده من مجلسه، لعدم ولائه المطلق للشيخ والتزامه التام بأوامره، فصور الحب الإلهي والدوران حول الذات تستدعي إلى ذهن الشاب صورة الطالبة الألمانية، ذات الوجه الأبيض والشعر الأشقر التي عشقها منذ أن رآها من نافذة بيته، وحلم بالزواج منها.

عمل نوار بلبل على تجسيد النص ذي البنية الحلزونية، بأسلوب فني متعدد الطبقات، إخراجًا وأداء، بالرغم من اعتماده على مبدأ المسرح الفقير في تصميم الفضاء والأزياء. فالديكور مكوّن من غرض واحد على شكل علبة مستطيلة ومتحركة، تارة تصبح ضريحًا وأخرى سريرًا أو خزانة، بحسب المكان الذي تعود إليه الذاكرة. أما الزيّ فلا يتعدى كونه قطعة قماش، تختلف دلالاتها باختلاف طريقة وضعها على الجسد، مرة تشبه المئزر، وأخرى ثوب المتصوفة في الحلقة المولوية، تبعًا لرمزية الشخصيات التي يستحضرها التداعي. وأثناء أدائه للعرض، تمكن نوار من بلورة ملامح متمايزة لكل شخصية خطرت ببال عابد، واستطاع أن ينتقل بسلالة من واحدة إلى الأخرى، فيما ترك للتشكيل اللوني وتوزيع بؤر الضوء على الخشبة الدور الأساس في صقل مناخ المكان والبعد النفسي للشخصيات.

انتهى العرض، وبقيت أمامي سلسلة متداخلة من حلقات القهر، تختصر واقع الحياة في سورية وباقي أرجاء العالم العربي والإسلامي. سلسلة يصعب الهروب منها أو تخطيها، ما لم نتخلص من الأيديولوجيات القاتلة، ونبصر الفارق الشاسع والجوهري بين الإيمان بالله، وبين الرضوخ لشخصيات ورموز وبنى تدّعي أنها تمثل مشيئة الخالق. الإيمان فطرة بشرية، أما الرضوخ فكارثة إنسانية يصنعها الاستبداد في مؤسسات الترهيب والتدجين.

* مونودراما (مولانا): تأليف فارس الذهبي، إخراج وتمثيل نوار بلبل، دراماتورغ بارت فورد، موسيقى برتراند لوغرو.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق