كلمة جيرون

كانت ضرورة.. وما زالت

طوت الثورة السورية ثمانية أعوام من الآلام، طغى فيها خيار النظام العسكري -بآلاته وأدواته- على كل خيار، مخلفًا مآسي وكوارث لا حصر لها، حيث ارتكب الجرائم والمجازر، وأشبع غريزة التدمير لديه ولدى أتباعه، وقتلَ نحو مليون من السوريين، وخلّفَ ضعفهم من الأيتام، وآلافًا مؤلّفة من الأرامل والمعتقلين والمنكوبين والمكلومين، ونشَر الفوضى “غير الخلاقة”، وشارك التنظيمات الإرهابية في جرائمها، وأثبت أن إرهاب الدولة أكبر من أي إرهاب، وأن خسّة الدكتاتور أدنى من أي خسّة.

ثماني سنوات هيمن خلالها الروسي، بما يشبه الاحتلال، على القرار العسكري والسياسي السوري، وانتشرت الميليشيات الإيرانية كالسرطان، وانتُهكت السيادة الوطنية، وعمّ الفساد والإجرام، وانهار الاقتصاد وتفككت المنظومات التعليمية والصحية والقضائية، وظهر انقسام السوريين إلى طوائف وعشائر وجماعات، ودُمّرت الروابط الاجتماعية بين الجميع.

ثماني سنوات، احتقر فيها النظام كلَّ المبادرات والاقتراحات المحلية والعربية والإقليمية والدولية وعطّلها، احتال وخاتل وناور، وزوّر الواقع والوقائع، ومارس احتيالًا سياسيًا غير أخلاقي، وفتح صندوق (باندورا) لتخرج كل الشرور المخبأة، وتُعمي الأبصار وتفني الديار.

ثماني سنوات طاحنة لم تنجح في تغيير أسلوب النظام وقناعاته، ولم تدفعه إلى إعادة حساباته، أو توقظه من غفلته الأبدية، أو تُقنعه بضرورة ترجيح كفة المنطق والعقل، على كفة جنون القوة ووهم العظمة والنرجسية، ولم يُدرك أنه بات يحكم أطلال دولة.

النظام السوري اليوم، هو نفسه النظام السوري في آذار 2011، وهو نفسه النظام السوري في آذار 1963، لم يتغير ولم يتبدّل، غيّر التكتيكات والأقنعة والوسائل والآليات، لكنّه ما يزال نظامًا دكتاتوريًا شموليًا أمنيًا قمعيًا طائفيًا تمييزيًا فاسدًا، لا يصلح للحكم والسياسة، ظل يتعامل مع سورية كسلعة أو سبيّة أو غنيمة حرب، كمزرعة له ولأزلامه، لا يعرف معنى الحرية والكرامة والأمانة والشرف، ولا يفقه معنى التشاركية والتعددية والديمقراطية والتداولية، ولن يعرف.

منذ ثماني سنوات، بل منذ 56 سنة، يعيش السوريون في دولة اللاقانون، ودولة الدساتير الفضيحة، تحت وطأة وإجرام الأجهزة الأمنية الطائفية المنفلتة، وتحت هيمنة المافيا العائلية التي نهبت ثروات الدولة، في حضن النظام الأكثر فسادًا وتآمرًا، صاحب أسوأ سجلات على مستوى العالم، أسوأ السيئين الذي لا يُقوّم اعوجاجه، تمامًا كذنب الكلب.

ليس ذنب الشعب السوري أنه ثار ضد نظام فاسد مجرم، وليس ذنبه أن النظام دمّر البلد ليقضي على ثورة هددت عرشه ومستقبله، وليس ذنبه أن النظام ارتضى بالهوان المطلق والتآمر المطلق.

كانت الثورة ضرورة، وحملت آمال السوريين وأحلامهم، وعلى الرغم من قسوة مآلات جولتها الأولى، ما زالت ضرورة، وما زالت هي الوسيلة الوحيدة لكنس 56 سنة من الهوان والفساد والعنف والطائفية، ولا بد من أن تشرق الشمس، مهما طال الظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق