كلمة جيرون

كلاهما في معيار الإرهاب واحد

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتحاد الأوروبي بأنه قد يضطرّ إلى إطلاق سراح المئات من مقاتلي “تنظيم الدولة الإسلامية” الأسرى في سورية؛ ما لم تستعيدهم بلادهم، ليعيثوا فسادًا في العالم. وأعلنت بعض الدول الأوروبية استعدادها لاستعادة هؤلاء الجهاديين وفق شروط، وقال بعضها الآخر إنه “يدرس” إمكانية مقاضاة المقاتلين، إن عادوا، أو إمكانية تأهيلهم ليُقلعوا عن إرهابهم.

الغالبية العظمى من قياديي “تنظيم الدولة الإسلامية” هم من العرب، أو الأوروبيين من الأصول العربية، وتخشى أوروبا أن يتغلغلوا فيها، ولهذا تتردد في استقبالهم، وتخشى من أيديولوجياتهم وسوابقهم ومراسهم القتالي وأمراضهم النفسية، وربما تُفضّل أن يبقوا في الشرق الأوسط، حيث الحروب والفوضى والانهيار والمستنقعات الآسنة التي تُحافظ عليها الأنظمة الحاكمة في تلك البقعة من العالم.

إذًا، خيار الأميركيين إما أن يأخذ الأوربيون بضاعتهم العربية التي تربّت عندهم، أو أن يطلقوها كوحوش ضارية لا يُعرف أين ستضرب. والخيار الأوروبي إما أن يأخذوا مئات الإرهابيين ويحاكموهم، أو يعيدوا تأهيلهم، أو أن يُبقوهم في الشرق بعيدًا من العين.

المريب أن مقاتلي هذا التنظيم الإرهابي الأجانب الأسرى في سورية، يُنقلون بشكل متواتر إلى أماكن مجهولة وسرّية، ولا يفصح الأميركيون ولا “قوات سوريا الديمقراطية” عن مصيرهم، ويذوب هؤلاء في مناطق من المفترض أن للنظام السوري وإيران سيطرة عليها، أو في العراق، في مناطق من المفترض أن للنظام العراقي سيطرة عليها.

المريب أخلاقيًا تردد الأوروبيين في استلام هؤلاء القتلة المأسورين في سورية، ومحاكمتهم على الجرائم الفظيعة التي ارتكبوها هناك، وكذلك عدم رغبة الولايات المتحدة في محاكمتهم أو سجنهم ومعاقبتهم، مع أنهم –نظريًا- عدوها العالمي الأول.

المريب أيضًا أن الولايات المتحدة لا تهتم بالكنز المعلوماتي الذي بحوزة القياديين الأسرى، كنز معلوماتي عن نشأة هذا التنظيم وهرميته ومهامه وداعميه وصلاته وغير ذلك من المعلومات التي جعلت من هذا التنظيم لغزًا مُحيّرًا لكل من له علاقة بالملف السوري.

كذلك المريب أيضًا موقف النظام السوري، الذي لم يُفكّر -لحظة واحدة- في أن من واجبه الأخلاقي والوجداني والأمني والسياسي أن يُطالب بهؤلاء ليُحاكمهم، لما فعلوه بالسوريين وسورية.

والمريب أن تغيب المعارضة السورية عن هذا الملف، ولا يخطر ببالها أن تقوم بحملات دولية تؤكد ضرورة محاكمة كل من انتسب إلى “تنظيم الدولة الإسلامية”، من أي بلد كان، وأي جنسية، وتُشدد على أن محاكمة هؤلاء لها نفس أولوية محاكمة النظام السوري وزبانيته وكبار مسؤوليه الأمنيين، فكلاهما في معيار الإرهاب واحد.

ساهم “تنظيم الدولة الإسلامية” في تدمير الثورة السورية، بنفس القدر الذي ساهم فيه النظام في قتل السوريين وتدمير البلد، وشارك الطرفان -في تناغم شديد- في محاربة المعارضة السورية المسلحة، وتهجير المدنيين، ونهب المال العام، وتعميم الطائفية والأيديولوجيات الوضيعة، وتخويف العالم من الثورة السورية، وحرف أنظار العالم عن أهداف الثورة السورية، وتبرير تدخل روسيا وأميركا وأوروبا، وانفلات إيران.

إن إنهاء ظاهرة “تنظيم الدولة الإسلامية” يعني بالضرورة إنهاء المولدات والمحركات الحقيقية لها، ويعني بالضرورة محاكمة قادة هذا التنظيم، وقادة النظام السوري على حد سواء، وينبغي أن يكون هذا الأمر واحدًا من أولويات المعارضة السورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق