هموم ثقافية

أحترم الأوسكار الذي هرب من نادين لبكي

لو أنني والدة زين الرفاعي بطل فيلم (كفر ناحوم)؛ لما استطعت أن أتحكم في مشاعر السعادة والزهو التي ستتملكني بمجرد اختياره للمشاركة في فيلم، ولكنني لست أم زين، ولا عمته ولا حتى من مدينته، ومع ذلك، فإنني لم أكف عن القول طوال ساعتين، هي مدة الفيلم: “عبقري زين، رائع زين”، حتى لهجته اللبنانية لم تؤثر في شعوري بالانتماء إليه كطفل سوري، كان “ينام على حصيرة” في لبنان -بحسب تصريح نادين لبكي مخرجة الفيلم- وأصبح اليومَ لاجئًا “أدّ الدنيا” بالنرويج.

الكاميرا لا يمكن أن تكون صادقة دائمًا، يمكنها أن تلتقط مشهدًا قاسيًا: “أم تضرب ابنها، أب يستغل ابنه ويجبره على العمل بسن الطفولة”. الحقيقة هنا أن الفعل موجود، وتلك الأم فعلًا تضرب ابنها، ولكن هل يمكن -أخلاقيًا- أن يكون اتهام الأم بالقسوة أو التخلف وأحيانًا الوحشية، اعتمادًا على مشهد مجتزئ من يومها أو ربما من حياتها؟

حتى اليوم، لم يتفق العالم الفني والثقافي على تحديد دور الفن: أهو تصوير الواقع كما هو ورميه في وجوهنا، مجردًا عن كل المسببات التي أوجدت هذا الواقع، أو –ربما- إشعال بعض من الأمل، ولكن مالا يختلف عليه أن النظرة الأحادية وتجاهل الأسباب تضعف العمل الفني والأدبي..

يظهر زين الطفل السوري في الحقيقة، واللبناني في فيلم (كفر ناحوم)، في قعر مجتمع الفقر والتخلف والعوز، مجتمع القسوة والتوحش، فأمه ليست أكثر من وحش يمشي على الأرض، لا يتسامح معها الفيلم ولا حتى بالتقاط لحظة حنان عابرة مع أولادها، وإنما تستمر طوال الساعتين بضرب الأولاد، باستنفاد كل تعابير الشتم المغرقة في السوقية، وبالطبع فإن زوجها لا يقل شراسة عنها.

لم تحاول لبكي (وهي التي شتمت الإعلام الذي انتقدها) أن تتعاطف قليلًا مع هؤلاء الناس، الذين يعيشون في أسوأ الأوضاع، قانونيًا وماديًا وإنسانيًا، فكانوا مادة دسمة لاستعلاء صناع الفيلم، ينظرون إليهم نظرة فوقية، والأهم أنهم يكرهونهم، ولا يتعاطفون معهم.

البدهي أن كل مجتمع إنساني هو نتاج ظروف ومؤثرات خارجة عنه، ومهما بلغت صعوبة الحياة فيه؛ فإنه يخلق نوعًا من الألفة والحبّ بين مكوناته، ولكن لبكي نظرت إليه بعين مستشرق أو أجنبي، يريد التقاط صورة توصله إلى جائزة ما! ولبكي لم تبذل أي جهد بالتفتيش عن الإنسان هناك.

الفيلم يتجاهل الأسباب، يحمل المسؤولية لهؤلاء المتخلفين والفقراء والوحوش أنفسهم. الحكومة -في نظر الفيلم- ليست مسؤولة، أعمدة الفساد الاقتصادي لا دخل لهم.!

شعرت بالسعادة أن فيلم (كفر ناحوم) لم يحصل على أي أوسكار، لم يعنني كثيرًا أنه فيلم يحمل جنسية عربية، واستفزني أن بطل الفيلم “العبقري” هو لاجئ سوري؛ شعرت مخرجة الفيلم بأنها منحته الحياة بحصوله على اللجوء بعد فيلمها، وأما الإعلام السوري المعارض الذي سوّق للفيلم لمجرد أن بطله طفل سوري لاجئ، على أنه فيلم لبناني يتحدث عن مشكلة السوريين في لبنان، فبدا إعلامًا سطحيًا وهزيلًا، غارقًا في سخافة الشعارات؛ لأن المنصات الإعلامية، والصحافيين الذين تبنوا الفيلم، استخدموا “زين” السوري، لحصد مشاهدات ولايكات، وعندما أدرك بعضهم أن الفيلم لا دخل له، لا من قريب ولا من بعيد، بالوضع السوري في لبنان الغارق في تلقي عنصرية لبنانية من الكثيرين، عندما أدركوا ذلك تجاهلوا الموضوع، وانتقلوا بسرعة إلى الاحتفال بترشح فيلم عربي للأوسكار.

يُحسب للبكي بالطبع عبقريتها باختيار زين، ويُحسب لها –أيضًا- أنها كانت صريحة في عنصريتها ضد المجتمع الذي ينتمي إليه زين السوري وزين اللبناني، وكانت أكثر صراحة بإعلان انتمائها إلى الطبقات الأخرى من المجتمع، ويُحسب لها فطنتها باستخدام دعاية وجود طفل لاجئ سوري في الفيلم، لأنه سيمنح الفيلم بطاقة براءة من اضطهاد اللاجئين، وبطاقة دخول لقلوبهم، وبطاقة أهم، هي ملائكية مخرجة أرستقراطية وجميلة وفنانة وأنيقة، باختيارها لطفل لم يعرف يومًا السرير، وإنما قضى حياته “ينام على الحصير”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق