مقالات الرأي

العرب وأوروبا: أزمات متوطنة

مرّ أكثرُ من اثنين وعشرين عامًا على مؤتمر “الشراكة الأورومتوسطية”، الذي استضافته واحدة من أجمل حواضر أوروبا: برشلونة التي تمتزج فيها روح الغرب والشرق معًا، لتقدّم لنا خلاصة تقارب مختلفة، في مركز العالم القديم: المنطقة المتوسطية، تطلعًا إلى آفاق مشبعة بالآمال الكبار، لصوغ علاقات تقوم على الحوار، والمصالح المشتركة، وتتسم بالندية والتكافؤ بين دول المنطقة.

اليوم، نجد، نحن المتوسطيين، عربًا وأوروبيين، أن الفجوة التي أرادت الشراكة المتوسطية ردمها قد اتسعت، وأن كلتا المجموعتين انكفأت كثيرًا عن الأهداف والغايات التي تم التوافق عليها، بعد مفاوضات طويلة مضنية، بين الأطراف المتوسطية، ولم تصمد النتائج التي تم التوصل إليها، توافقًا، إلا سنوات قليلة، قبل أن ندخل عشرية مواجهة الإرهاب، مع أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر التي لم تنته، وصولًا إلى أزمات أوروبا في شأن وحدتها، والمواجهات الدامية التي عصفت بالمنطقة بسبب عنف الطغمة الاستبدادية، في بلدان الربيع العربي بخاصة.

لقد غرقت المنطقة في مشكلاتها وأزماتها المزمنة التي لم تجد أي منها طريقًا إلى تسويةٍ ما، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية، وانعكس ذلك بشكل مباشر على العلاقات المتوسطية، التي تنازعتها منذ البدء إشكالية تقدم التعاون البيني على حساب المتوسطي، فلم تتمكن اتفاقات الشراكة الأورومتوسطية من الاستمرار، ولم تثمر الجهود التي بذلت في الاقتراب من غايات التعاون الممكن، والأقرب إلى حلم عابر. لقد أضحت الشراكة المتوسطية من الماضي، وإن بقيت بعض برامجها قائمة، وتأثرت بغياب آبائها المؤسسين، خاصة من الأطراف الأوروبية التي كانت تتبنى توجهًا متوسطيًا في سياساتها الخارجية.

بعد السنوات الطوال من غياب الفعل المتوسطي، عُقدت القمة العربية–الأوروبية، في ظل التجاهل التام لإرث ما يزيد على ثلاثة عقود مضت من العمل المشترك، شهدت لقاءات إقليمية، على مستوى القمة بين قادة ضفتي المتوسط، منذ منتصف السبعينيات، والحوار العربي الأوروبي، إلى برشلونة 1996، مرورًا بالعمل المغاربي – الخليجي – الأوروبي، وصولًا إلى قمة أثينا الاقتصادية، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وفي كل الأحوال شكل الجانب الاقتصادي عصب المناقشات التي اتصلت بالعلاقات الأوروبية العربية. لكنها لم تكن، في يوم من الأيام، أمينةً للبعد المتوسطي الذي شكل الحاضنة الرئيسة، لإعادة النهوض بالعلاقات المشتركة، كما يجب أن تكون عليه، بندية وتكافؤ، كما أشرت آنفًا.

ولئن رفعت قمة شرم الشيخ الأخيرة شعار: “الاستثمار في الاستقرار”، فإن هذه المسألة استحوذت على أولويات التعاون المشترك، وشكلت جوهرًا لأحد جوانب برشلونة للشراكة المتوسطية. وإن الحديث عن ارتباطها بقضية الاستقرار، كمن يحمل الشيء ونقيضه، فقد ظلت برامج ومشروعات الاستثمار ذات صبغة ثنائية، واعتمدت على تمويل دول النفط العربي لمشاريع استثمارية، في الصناعات التحويلية والسياحية، ولم ترتق إلى مصاف الشراكة في الاستثمار، وفي خلق وتوطين مشروعات التنمية الاقتصادية في المنطقة العربية. يضاف إلى ذلك أنها لم تكن عامل استقرار على الإطلاق، في هذه المنطقة القلقة من العالم.

بالمقابل، لم تستطع النظم السياسية الحاكمة في المنطقة العربية توفيرَ مناخات ملائمة لاستثمار آمن، يقود إلى الاستقرار، ولم تدعم منظومة الاتحاد الأوروبي -فعليًا- ترشيد السلطات الحاكمة نحو ترسيخ الأمن والاستقرار. على العكس من ذلك، كانت السياسات الاقتصادية – الاستثمارية، وما تزال، نتاج سياسات أمنية وتدخلات النخب الحاكمة، تخدم مراكز قوى معنية بإنتاج الفساد ونشره. وكانت الدول الأوروبية (منفردة ومتحدة) تتعامل بأريحية مع تلك السياسات وما أفرزته من شراكات استثمارية، على الرغم من معرفتها التامة بما تؤديه من دور في تعزيز مكانة السلطات الحاكمة، وإفقار مجتمعاتها. وأبعد من ذلك أنّ تلك الشراكات (الفاسدة) وجدت موائل وشركاء لها برعاية أوروبية.

جاءت قمة شرم الشيخ، ولما يجفّ بعد دمُ الشبان المصريين الذين أعدمهم نظام السيسي، من دون أن يكون هناك أي اعتراض رسمي أوروبي، على تنفيذ أحكام الإعدام، في ظل شبهات تطال القضاء المصري، خاصة في القضايا السياسية، وكان يمكن للقادة الأوروبيين استثمار عقد القمة، لإحداث نقلة مهمة في مجال الحقوق والحريات.

وعلى الرغم من أولوية هذه المسألة في سياسة الاتحاد الأوروبي، فإنها لم تكن معنية بالعمل على دفع حكومات المنطقة، إلى تحسين أوضاع حقوق الإنسان وحرياته، والحد من الانتهاكات الجسيمة التي تعتبر سياسة عامة لنظم الاستبداد. وما زالت الحكومات الأوروبية، أمام مصالحها الاقتصادية المتمثلة بالاستثمار والتبادل التجاري، مستعدةً للتغاضي عن أوضاع حقوق الإنسان المتردية، ومن ضمنها الجرائم البشعة التي ترتكبها الأنظمة، سواء في مصر أو اليمن والجزائر، وسواء في عهد القذافي، أم الأسد الأب، إلى الوريث الذي يرتكب جرائم منظمة ضد السوريين.

الحكومات الأوروبية معنية بالتبادل التجاري الذي يعني فتح أسواق المنطقة أمام منتجاتها، وليس هناك ما يمكن أن يقود إلى إحداث تبادل تجاري. بالمعنى الدقيق: ليس لدينا اليوم منتج يمكن أن يوازن كفة التبادل التجاري. كما أن العلاقات مع الدول العربية: الجنوب المتوسطي، بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، تعني قضايا الهجرة، والتعاون الأمني، وخاصة في مجال تبادل المعلومات، ومحاربة الإرهاب، ومنع وصول الحريق العربي إلى الشمال الأبيض.

من دون التعاون في المجال الأمني، وفتح آفاق التسويق، ليس ثمة أي قيمةٍ تُذكر للقمة العربية الأوروبية، التي تأتي في وقت عربي حرج، تتعاظم فيه الجهود من أجل خنق الشعوب، ومواصلة حرمانها من حقوقها في الحرية والعدالة.

ثمة انحياز أوروبي فاضح إلى تقديم دعم مباشر، أو غير مباشر، للطغم الحاكمة في المنطقة العربية؛ الأمر الذي يجعل الخطابَ الأوروبي المتصل بالشراكة، أو بالحقوق والحريات، خطابًا متلونًا غيرَ ذي صدقية، تقوده المصالح أحادية الجانب. وعلى كل حال؛ لا يمكن لأي شراكات عربية–أوروبية أن تُثمر، من دون موافقة مباشرة من الولايات المتحدة، وهذا أمرٌ تعرفه جيدًا المجموعتان العربية والأوروبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق