أدب وفنون

بيت الرواية: كعبة المدينة

في تونس ثمة مدينة ما، مدينة لم يتجاوز تاريخ تأسيسها سنة كاملة، تلك التي ارتفعت جدرانها الشاهقة على مقربة من شارع محمد الخامس بالعاصمة التونسية. يحج إليها جل المنتسبين إلى الشأن الثقافي من شعراء ومسرحيين وتشكيليين ورسامين وسينمائيين وسياسيين أيضًا، أما الذين لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا، فستتكفل المركزية الثقافية بجلبهم أفواجًا من المحافظات، تحت شعار “أيام الجهات”، وإن هم أتوا بمحض إرادتهم فلأن غوايتها جلبتهم، أو -وهذا مؤكد طبعًا- فلأنها تحولت إلى ثقب أسود يمتص كافة الفعاليات الثقافية ويمركزها في مكان واحد، وهذا ما يجعل الهجرة إليها ضرورة ملحة وواجبًا ميتافيزيقيًا، دونه لن يخرج نشاط ثقافي إلى الضوء: هكذا يتحدث البعض من النقاد والإعلاميين والمسرحيين الغاضبين، وهكذا يتحدث -أيضًا- بعض المتهكمين العدميين جدًا.

في تلك المدينة، تكون ثمة الأنشطة الثقافية الكبرى، من أيام قرطاج السينمائية إلى قرينتها المسرحية والشعرية، وكذلك، بعض العروض المسرحية والموسيقية من حين إلى آخر، وفي أحيان أخرى تكون ثمة اجتماعات ولقاءات تنظمها بعض مكونات المجتمع المدني والسياسي. في غياب تلك الأنشطة -وهي موسمية طبعًا- تصبح المدينة كاتدرائية حديثة لكن من دون مصلّين ومتعبّدين: وحدها أبراجها الشامخة تطل على الشارع المقابل لتخمشها رياح الشتاء، أما داخل تلك الأفضية فالموظفون في جل الإدارات الرسمية، لكن –وهذا مخالف تمامًا لنواميسها ونسقها الثقافي- يمكن أن ننتبه كل أسبوع إلى قافلة من المريدين يدخلون المدينة، ثم يعبرون إلى اليسار خطوات قليلة، فإذا بهم أمام لافتة عليها رسم “دون كيشوت”، فوق الرسم يمكن للمرء أن يقرأ ما يلي “بيت الرواية“. أولئك معظمهم من النقاد والروائيين والطلبة والجامعيين والإعلاميين، وأولئك –أيضًا- هم أحبّاء ذلك البيت: بيت الرواية، هذا الفضاء الذي أحدث الفارق في مدينة بأكملها، بتعدد أنشطته ونجاعة برامجه وتأثيره في باقي الأقطاب الفنية جماليًا، أو كقوة اقتراح مغايرة للسائد، وهذا الفضاء الذي أصبح مزارًا وقِبلة لكل المسؤولين والمثقفين والمبدعين في مدة وجيزة، وهذا الفضاء الذي يمكن أن نعبّر عنه، مجازًا، بأنه الكعبة التي اخترعت هالتها في مدينة ما تزال تتحسس وجودها الثقافي، من دون استراتيجية واضحة المعالم.

التأسيس: سردية اختراق المستحيل

لم يكن أحد من الروائيين أو المثقفين ليصدق نجاح تلك الفكرة التي راودت الروائي والناقد التونسي كمال الرياحي، حين أراد تأسيس هذا البيت؛ إذ رُفض المشروع أكثر من مرة، من قِبل العديد من وزراء الثقافة المتعاقبين على السلطة بعد الثورة التونسية، ولكن مع تأسيس مدينة الثقافة صيف 2018، كان لتلك الفكرة أن تظهر إلى الوجود وتترجم على أرض الواقع. طبعًا، لم ينتظر أحد نجاح هذا المشروع، بعد خيبة الآمال وانتظارات المثقفين والروائيين والشعراء والمسرحيين، فهنا تخيم العدمية والهزيمة على الجميع، ويُبتر الحلم من الوهلة الأولى. وعلى العكس من ذلك، تمكّن “بيت الرواية” من إجهاض الفشل الذي كان يعترضه، على الرغم من أن فريقه لم يتجاوز سبعة أشخاص، وأنهم خمسة الآن فحسب، إلا أن ما يقدمونه حتى الساعة يفوق طاقة مؤسسات عملاقة، من حيث الموارد البشرية والمالية واللوجستية.

 

في تعريف مقتضب، يمكن أن نقدم “بيت الرواية” على أنه أول بيت للرواية العربية، يفتح مشاغله الفكرية وهمومه الإبداعية على الرواية التونسية والعربية والعالمية، ويخترق اختصاصه إلى أفضية أخرى، كالسِّير الذاتية وأدب الرحلة وكتابة اليوميات، كما يتماس مع باقي الفنون لكون أنشطته متعالقة ومتفاعلة مع الفن المسرحي والسينمائي والرسم والرقص.

من طواحين المطابع واللقاءات الخاصة إلى تناسج الفنون والرواية العالمية

ثمة حيف لاحق الروائيين والمبدعين التونسيين، ذلك الذي وجد اشتغاله ضمن سياسات التهميش الإعلامي والسياسي وغيرهما. ونقضًا للتصحر الثقافي السائد، عمد بيت الرواية -ضمن برمجته- إلى التعريف بالرواية والكتاب التونسيين، سعيًا منه لفك عزلتهم وتجميعهم والدعاية لهم، إضافة إلى تسليط الضوء -تفكيكًا ونقدًا- على تجاربهم الكتابية. على هذا النحو، مثلما استقبل بيت الرواية معظم الروائيين التونسيين ونظم لقاءات خاصة معهم، وفق برمجة رسمية وضعها حتى حدود صيف 2019، أطلق فريقه برنامج “طواحين المطابع” في فضاء راعي النجوم الذي يعنى بتوقيع الروايات والأجناس السردية الصادرة حديثًا، باستضافة أصحابها أمام القراء والنقاد، وفتح نقاشات حول متنها وعوالمها. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن عبارة “طواحين المطابع” لم تأت كإسقاط شعاراتي، إنما هي ضرب من الامتداد لرمز بيت الرواية الأصلي، ذلك الذي تم استلهامه من رواية دون كيشوت لصاحبها سرفانتس، وهنا ستجدر الإشارة مجددًا إلى أن هذا الاختيار نابع من كون تلك الرواية مثلت حدثًا ثوريًا بتحطيمها اللاهوت الكلاسيكي للكتابة الروائية، وإقحامها في مجرى الحداثة. أما فضاء راعي النجوم، بوصفه يعنى باكتشاف الكتاب وتقديمهم والتعريف بهم، فمكانه مكتبة البشير خريف، عرّاب الرواية التونسية؛ إذ منذ  التأسيس، سعى فريق بيت الرواية الذي يديره الروائي والناقد كمال الرياحي لإطلاق تلك المكتبة، وفي ظرف وجيز جدًا، باتت تتضمن الآن نحو 5000 عنوان، أغلبها روايات تونسية وأخرى عربية وعالمية، باللغة العربية وغيرها، إضافة إلى عناوين أخرى في الفن والدراسات النقدية والفلسفة، وهي الفضاء الوحيد حاليًا في مدينة الثقافة، المهتم بعوالم الكتاب، ويزورها -يوميًا- عشرات القراء والباحثين والنقاد.

ضمن برامجه الأخرى، عمد بيت الرواية إلى تهريب عوالم الكتابة الروائية إلى الفنون (مسرح وسينما ورقص ورسم) فتحول إلى قوة اقتراح جمالية وفنية في مدينة الثقافة بأكملها، وحدث أن تم تنظيم تظاهرة “دون كيشوت في المدينة” بالتعاون مع باقي الأقطاب الفنية، في أكتوبر 2018، فكان أن قدمت العروض المسرحية والسينمائية إضافة إلى منحوتات عملاقة، وكان أيضًا أن قدم البيت ندوة علمية ضخمة، شارك فيها معظم النقاد والشعراء والروائيين التونسيين والعرب. وضمن برمجته السنوية، يخصص بيت الرواية كل سنة، تظاهرة حول الرواية العالمية، كانت أولها أيام الرواية البرتغالية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، حيث تم استقبال الروائي والرسام أفونسو كروش في لقاء خاص معه، ومترجمه إلى اللغة العربية، الأكاديمي عبد الجليل العربي. أما برمجتها فقد سلطت الضوء على اتجاهات الرواية البرتغالية المعاصرة، كما لم تغفل تجربة الروائي جوزيه ساراماغو. وكان للقراء نصيبهم أيضًا؛ إذ أطلق بيت الرواية مسابقة روايات الشتاء والصيف، يقدم من خلالهما القارئ أفضل رواية قرأها أمام الجمهور، بالشكل الذي يراه أكثر إقناعًا، وهي من أهم التظاهرات الناجحة التي ورطت عموم الشباب خاصة في العودة إلى مناخ الثقافة والرواية، خارج سياسات الاغتراب والتهميش.

ملتقى تونس للرواية العربية: من السؤال عن قدرة الرواية على التغيير إلى قضايا البشرة السوداء

لقد مثل حدث تأسيس “بيت الرواية” واقعة ثقافية بعينها، إذ تزامنت تلك اللحظة بإطلاق الدورة الأولى لملتقى تونس للرواية العربية تحت شعار “الرواية: القدرة على التغيير”؛ فكان أن حدثت هجرة الروائيين من لبنان والعراق ومصر وفرنسا واليمن والجزائر وليبيا والنمسا والسودان والكويت والمغرب وتونس، إلى مدينة الثقافة بالعاصمة التونسية، إلى حيث يكون مقر بيت الرواية، وحيث دارت فعاليات الملتقى الذي امتد على مدار ثلاثة أيام، وعالج -نقدًا وتفكيكًا- ثلاثة محاور أساسية، تمثلت في قيمة الرواية ومدى قدرتها على التغيير، والرواية العربية في مواجهة التحولات والأزمات السياسية، والمخاطر التي يمكن أن تهدد الجنس الروائي بالأفول. شارك في هذا الملتقى أهم الروائيين والروائيات من تونس والوطن العربي، وعلى رأسهم رسول الصحراء: الروائي الليبي إبراهيم الكوني، وذلك من خلال حضوره كضيف شرف، وتخصيص لقاء معه، تحت عنوان “لقاء مع الروائي إبراهيم الكوني، حول تجربته الروائية: لقاء مفتوح مع الجمهور”.

ولأن هذا الملتقى يأتي سنويًا، فإن الدورة الثانية منه ستكون في أول آذار/ مارس 2019 بحضور ضيف الشرف العربي إلياس خوري، وذلك من خلال فتح موضوع حارق لامسته الرواية العربية، ويجد اشتغاله الآن بشكل مفزع في حياتنا اليومية، ألا وهو “قضايا البشرة السوداء“، وسيتم من خلاله تطارح ثلاثة محاور كبرى، يتعلق الأول بمسألة العبودية وآلام الإنسان الأسود، أما الثاني فيتطرق إلى محور العنصرية بمعالجة قضية الأسود في الزمن الاستعماري وما بعد الكولنيالي، بينما يعنى المحور الثالث بالبشرة السوداء كقضية تحرر. وفي ما يلي برمجة الملتقى بشكل نهائي، كما تفصح عنه الصورة المصاحبة.

نعم، سيصبح جائزًا القول: إن هذا البيت لا يمكن توصيفه إلا بـ كعبة المدينة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق