سلايدرقضايا المجتمع

ماذا لو تصدعت مبررات القوامة الذكورية!

هل يمكن اختبار مُسلّمة “قوامة الرجل” من خلال عمل علمي، يمكننا من معرفة مدى وجاهة هذا الحق/ المسلمة؟ وإن كان لهذا الحق وجاهته في عصرٍ ما، هل يمكن إعادة النظر فيه في عصر آخر، خاصة أن مبدأ القوامة يستند بصورة أساسية إلى التفوق الاقتصادي/ المالي للرجل، وإلى قدرته على الإنفاق على زوجته، بدءًا من مهرها مرورًا بنفقات معيشتها وتأمين كفايتها ماديًا؟ مع العلم أن حق القوامة هذا يندرج في سياق منظومة قيمية دينية – اجتماعية متكاملة.

يعزو الاقتصاديون التقليديون أسباب انخفاض معدلات قوة العمل في المجتمعات النامية عادةً إلى ضعف مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية! وهم في ذلك يتبعون نهجًا أقلّ ما يُقال عنه إنه منحازٌ، إذ يصنف المهن تقليديًا إلى مهن “البيع والزراعة والصناعة والخدمات، والمهن الفنية والتخصصية وأعمال الكتابة، ومهن الأعمال الهندسية المساعدة… الخ). وبالطبع لا يوجد بينها “أعمال منزلية أو غير منزلية غير مأجورة”؛ لأن محك التصنيف الحاسم هو أن تكون مهنًا مُدرة للدخل/ للمال، في حين تفيد الوقائع وبعض الدراسات الحديثة أن مشاركة النساء في الأعمال الأسرية غير المأجورة في مجتمعاتنا تكون مرتفعة. ففي دراسة قامت بها وزارة الزراعة السورية 2008، شكلت النساء نسبة 37 بالمئة من إجمالي العمالة النسائية الريفية عمومًا، وهي أعمال غير مأجورة طبعًا، وتصل مشاركتهن أقصاها في دير الزور 67 بالمئة، ثم في ريف حلب 52 بالمئة، وفي الرقة 49 بالمئة، والحسكة 47 بالمئة، وفي حماة 46 بالمئة.

في حقيقة الأمر، إن المرأة تمارس جميع الأعمال والمهن المدرجة في دليل تصنيف المهن المعمول به؛ فهي تمارس -من دون أجر- الأعمال التربوية التعليمية لأولادها، والأعمال الصناعية (الطبخ والغزل والحياكة وصنع ملابس الأولاد..) والأعمال الزراعية (تربية الطيور والأبقار ورعايتها، وزراعة الخضار وجنيها…) والخدمية (تنظيف الثياب وكيّها وتنظيف البيت والمطبخ)، والرعائية (الصحية والنفسية والعاطفية….)، فضلًا عن دورها الإنجابي الذي لا يضاهيه أي عمل آخر. ففي المنزل تتكثف الأنشطة الاقتصادية الاجتماعية والإنسانية، وبصورة خاصة في المجتمعات التي لم يبلغ فيها بعد التطور الاقتصادي والتقني مستوًى متقدمًا.

إن عدم الاعتراف بالقيمة المالية للعمل غير المأجور الذي تؤديه المرأة، في المنزل وخارجه، يضع المجتمع في مواجهة مع أحد أبرز حقوق المرأة (الاعتراف بقيمة عملها غير المأجور) ويتحمل بالتالي تبعات عدم إنصافها؛ الأمر الذي يوّلد أضرارًا كثيرة تلحق بالمرأة أولًا والمجتمع ثانيًا. وهذا ما دفع الكاتب/ الباحث إلى تقصي واقع عمل المرأة السورية غير المأجور (داخل المنزل وخارجه) والمأجور، وحساب قيمته الزمنية والاقتصادية، ومن ثم مقارنة ما يتحصّل من نتائج مع مقابله الناجم عن عمل الرجل، بغية الوصول إلى نتائج تتصل بميزان العمل في الأسرة.[i] وكان السؤال: ما ميزان ساعات العمل المأجور وغير المأجور لدى المرأة والرجل، وقيمته المالية في الأسرة السورية؟

وهنا كان القصد من العمل غير المأجور: ذلك الجهد الذي يبذله -في المنزل أو خارجه- أفرادُ الأسرة أو بعضهم، بقصد تأمين سبل المعيشة اليومية للأسرة، كـ (صنع الطعام، والتنظيف، والغسيل، والترتيب الرعاية والتعليم.. وإدارة الاقتصاد المنزلي…) وهو عمل يؤدى من دون أجر أو مقابل مالي أو عيني عنه. فيما قصدنا بالقيمة المالية للعمل غير المأجور تلك القيمة المالية المقدرة (غير المنظورة) من قبل الباحث، وفق منهجية معينة عن الأعمال التي تتم مزاولتها داخل المنزل وخارجه. أما العمل المأجور فهو الجهد المبذول الذي يتلقى العامل عنه أجرًا (قيمته محسوبة أو منظورة) سواء بُذل في المنزل أو خارجه. ويكون ميزان ساعات العمل عندئذٍ حصيلة العمل الذي يبذله كل من المرأة والرجل، سواء أكان عملًا مأجورًا أم غير مأجور، مقدرًا بالوقت والقيمة المالية، من أجل المقارنة بينهما.

للإجابة عن السؤال الرئيس المطروح أعلاه؛ تم اعتبار الأسر المقيمة في محافظات المنطقة الجنوبية من سورية مجتمعًا للدراسة، سُحبت منه عيّنة مقدارها 120 أسرة. وجُمعت البيانات بمساعدة أبناء وبنات[ii] تلك الأسر، وبمساعدة بطاقة رصد لأعمال منزلية تؤدى في يوم متفق عليه لجميع الأسر، يؤديها كل فرد في الأسرة وتسجيلها، إضافة إلى مقابلة مفتوحة للوقوف على الأعمال غير المأجورة التي تتم بصورة دورية، مثل صنع المؤونة البيتية، والقيام بأعمال الزراعة كالحصاد والقطاف.

ومن نتائج الدراسة، بلغت نسبة ما تساهم به المرأة 18.9 بالمئة، من إجمالي الدخل المنظور/ المرئي للعائلة، مقابل 81 بالمئة للرجل، وهنا يكمن الجذر الاقتصادي للسلطة الذكورية في الأسرة والمجتمع، فالمجتمع يعترف بالدخل المرئي/ المنظور فحسب، وهذا ميدان الرجل عمومًا.

من جهة أخرى، بلغ متوسط ساعات العمل (غير المأجور) المبذول في المنزل وخارجه، من قبل جميع المساهمين فيه يوميًا (9 ساعات و42 دقيقة) نصيب المرأة منه (7 ساعات و24 دقيقة)، في مقابل (34 دقيقة) للرجل، و(ساعة و48 دقيقة) لسائر أفراد الأسرة. وبذلك يكون 76 بالمئة من وقت العمل غير المأجور من نصيب المرأة، مقابل 18 بالمئة لسائر أفراد الأسرة، غالبيتهم (81.7 بالمئة) من الإناث، فيما يكون نصيب الرجل 5.9 بالمئة منه.

وقد بلغ متوسط القيمة المقدرة[iii] عن العمل غير المأجور الذي يبذله جميع المساهمين في الأسرة، داخل البيت وخارجه (29535 ل.س) شهريًا، تُسهم المرأة بـ (22403 ل.س) منه، في مقابل (1787 ل.س) هي مساهمة الرجل و(5343 ل.س) قيمة مساهمة باقي أعضاء الأسرة.

من جهة أخرى، بلغ متوسط وقت العمل الذي يبذله الرجل، داخل المنزل وخارجه (7.84 ساعة يوميًا)، وقيمته المأجورة (المنظورة) وغير المنظورة/ المقدرة (18643 ل.س شهريًا). مقابل (9.4 ساعة يوميًا) للمرأة، وقيمتها المنظورة والمقدرة (26344 ل.س شهريًا). أي أنه في مقابل كل 100 ل.س، يسهم الرجل في توفيرها لأسرته، تسهم المرأة بـ 141 ل.س.

إذن، هناك حسابان للدخل المادي على مستوى الأسرة: حساب تقليدي يأخذ بعين التقدير الدخل المنظور الناتج عن العمل المأجور، وهذا حساب يمكن وصفه بأنه “ذكوري”، يظهر فيه الرجل معيلًا أساسيًا لأسرته. وحساب غير تقليدي مُنصف يؤكد أن العمل المبذول –طالما أن له قيمة اقتصادية واجتماعية نافعة للأسرة والمجتمع- يلزم أن تكون له قيمة مالية، سواء أكان مأجورًا (منظورًا) أم غير مأجور، ويمكن تقديره (حسابه) بأساليب وأدوات إحصائية واقتصادية جديدة. عندئذ تدخل المرأة التي تصنف باعتبارها ربة منزل ومعالة! في تصنيف القوة العاملة.

إن البحث في عمق هذه الظاهرة: تجاهل قيمة عمل المرأة غير المأجور (المنزلي وغير المنزلي) يمكن أن يوصلنا إلى أحد جذور القيم والأفكار التي تتحدث عن تقديس دور المرأة كزوجة وأم، بوصفه وظيفة اجتماعية ترتبط بقيم أخلاقية! وهكذا يصبح العمل المنزلي ورعاية الأطفال واجبًا يوميًا عليها تأديته، وفي مقابله تحصل على مديحٍ زائفٍ يُدرّس في المدارس والجامعات، ويأخذ الحيز الواسع في النقاشات حول “فضيلة” الأمومة وأهميتها، على شاشات التلفزة وحلقات الحوار التي تدعي مناصرة المرأة.

إن هذا الوصف للدور (الوظيفة) الذي تؤديه المرأة في المنزل، ليس إلا محاولة لفصل تلك الوظيفة عن علاقتها المباشرة بعلاقات الإنتاج والإنتاج نفسه. فالعمل المنزلي الذي تقوم به المرأة، من تحضير المأكل والمشرب وأعمال التنظيف والغسيل، إنما هي خدمات نراها تُباع في السوق يوميًا، بينما تقوم الملايين من النساء بهذا العمل من دون أن يتقاضين أجرًا. عندئذ يمكن النظر إلى الأسرة بوصفها مؤسسة إنتاج مستقلة، تعمل على زيادة أرباح النظام الاقتصادي القائم على الاستغلال، وبشكل مجاني، وذلك من خلال العمل غير المأجور الذي تقوم به بشكل خاص من تربية وتنشئة العمال والعاملات المستقبليين.

وهكذا يتم توجيه البحوث والدراسات، وكذلك الحسابات الاقتصادية والاجتماعية، لمصلحة الطبقات الاستغلالية، فمن المعروف أن وراء مناهج البحث وأدوات القياس للظواهر الاجتماعية أيديولوجيات توجه تلك المناهج نحو مسارات تتلاءم وتلك القيم. من هذا المنطلق، فإن الرجل -كما المرأة- معني مباشرة، من خلال مصلحة عضوية واقتصادية، بالتخلي عن ذكوريته، وبالنضال مع المرأة من أجل تكريس هذا الوعي واقعًا معيشًا.

سوف يكون لنتائج حساب قيمة العمل المبذول، بطريقة غير تقليدية، آثار كبرى ترتب واقعًا وموقعًا جديدًا للمرأة في أسرتها وفي المجتمع، له أبعاده الاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية، والإنسانية. وهو أحد شروط تحررها والسير على طريق التنمية المستدامة.

……………………………..

[i] لمراجعة النسخة الكاملة لهذه الدراسة راجع: ريمون المعلولي، ميزان ساعات العمل المأجور وغير المأجور لدى المرأة والرجل وقيمته المالية في الأسرة السورية، مجلة جامعة دمشق، مجلد 30 العدد الأول 2014 ص121- 160

[ii] طلاب في كلية التربية سنة رابعة.

[iii] لدى تقدير القيمة المالية للأعمال غير المأجورة، تم اعتماد المتوسط المرجح لقيم تلك الأعمال (كما هي في السوق).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق