مقالات الرأي

“دولة الخلافة” تُدفن بلا مراسم عزاء

في 29 حزيران/ يونيو 2014، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قيامَ “الخلافة الإسلامية” على أجزاء من الأراضي السورية والعراقية الخارجة عن قبضة الدولتَين الأمنية، وسُمّي أبو بكر البغدادي “خليفةً” على المسلمين، مستأثرًا باللقب الذي ظلّ حلمًا يراود العديد من التيارات الإسلامية السياسية إلى يومنا هذا، إضافة إلى كونه مفهومًا راسخًا في التاريخ والثقافة الإسلامية، على الرغم من أن مصطفى أتاتورك مؤسس تركيا العلمانية أعلن دفنه عام 1924.

جاء إعلان البغدادي تأسيس الدولة الإسلامية على أجزاء من الأراضي السورية والعراقية، عبر شعار “باقية وتتمدد”، في زمن الثورات العربية التي أدت إلى انهيار بعض الأنظمة العربية، والكشف عن هشاشة الأخرى، التي لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية لحياة المواطن فيها. إضافة إلى الانقسامات الإثنية الدينية (الشيعة والسنة وغير ذلك) في معظم الدول العربية، وغياب السمة الوطنية الموحدة لمواطنيها، كما هي الحال في (سورية، العراق، ليبيا، واليمن)، والتوترات بين دول المنطقة: بين العرب و”إسرائيل”، وبين الأخيرة وإيران، وبين تركيا وبعض العرب، وبين تركيا وإيران، وبين الأخيرة وبعض العرب وبخاصة دول الخليج العربي، وعلى الصعيد العالمي بين روسيا والولايات المتحدة، وبين الأخيرتين وبعض دول أوروبا، وقد انعكست جميعها على عملية الصراع العسكري والسياسي في سورية.

على الصعيد الأيديولوجي، جاء إعلان “دولة الخلافة” في مرحلة فشل مشاريع التيارات الاشتراكية والقومية، والإسلام السياسي المتمثل بـ “الإخوان المسلمين”، في المنطقة العربية (سورية، العراق، ليبيا، اليمن، الجزائر، مصر).

برزت “دولة الخلافة” من لحظة تأسيسها كخطر استراتيجي: “باقية وتتمدد”، ليس على العراق وسورية فحسب بل على العالم بأسره، حيث إنها أعلنت الحرب على الجميع، بتنظيمات جهادية عدة وفي جبهات متعددة، لكونها ليست دولة في إقليم واحد، ولا حدود جغرافية نهائية لها بعد، وهذا كان مبررًا كافيًا لإعلان الولايات المتحدة تحالفًا عسكريًا دوليًا يضمّ أكثر من 60 دولة عام 2014، بهدف محاربتها.

على صعيد الإسلام السياسي، حصلت الخصومات والعداوات بين من بايع البغدادي خليفة للمسلمين، وبدأت أفواجه الجهادية بالتدفق من كل أصقاع العالم، رغبة في الجهاد والذود عن الإسلام، وبين من عارض قيام “الخلافة” مثل “جبهة النصرة” و”الإخوان المسلمين”، استنادًا إلى كون البغدادي أعلن الخلافة من جانب واحد، من دون مشورة المسلمين، كما هو منصوص في القرآن، وفي سياق ذلك أعلن الظواهري (زعيم تنظيم القاعدة) عام 2014 عدم تحمّل مسؤولية العمليات العسكرية التي تنفذها “دولة الخلافة” والبراءة من نتائجها، ووقّع 126 شخصية إسلامية من مختلف دول العالم وثيقةً تنتقد السلوك السياسي والديني لـ “دولة الخلافة”.

أيضًا، جاءت “دولة الخلافة الإسلامية” تعبيرًا سياسيًا وأيديولوجيًا عن التيارات الإسلامية الأكثر تطرفًا وعنفًا تجاه الآخر، حتى الإسلامي المختلف معها في العصر الحديث، حيث استخدمت الوحشية التي لا نظير لها في تاريخ البشرية مع المعارضين لها.

بمجرد إعلان البغدادي أنه “خليفة المسلمين”؛ كان من الطبيعي أن تصطدم “دولة الخلافة” مع معظم الدول الإسلامية وعلى رأسها المملكة السعودية، وبخاصة على الصعيد الأيديولوجي، فكان من الطبيعي أن تناهضها السعودية، وتجد في أيديولوجيتها أفكارًا إسلامية انحرافية عن الإسلام الصحيح الذي تزعم أنها تمثله خير تمثيل، وهذا ما ينطبق على دول الخليج العربي الأخرى التي انضمت جميعها تحت راية التحالف الدولي الأميركي ضدها فيما بعد.

كذلك أعلنت تركيا أن “دولة الخلافة” تنظيم إرهابي، واعتقلت المئات من عناصرها وطردتهم خارج تركيا، وسمحت لطيران التحالف الدولي وبخاصة الأميركي، بالانطلاق من قاعدة إنجرليك العسكرية التركية بهدف قصف مواقعها.

كان من الطبيعي أن تصطدم “دولة الخلافة” مع الأكراد، كونهم طرفًا إقليميًا محليًا على الأرض في سورية، بهدف السيطرة على منابع النفط في المنطقة، وعلى ذلك؛ تحوّل الطرفان إلى عدوين لدودين، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية للأكراد، الذين شكلوا القوة العسكرية الرئيسة على الأرض التي واجهت دولة (داعش)، إضافة إلى نجاح القوات الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في تركيا، في إقامة كيان ذاتي مستقلّ، في بعض مناطق الجزيرة السورية، وبالتالي نجح الأكراد في التصدي العسكري على الأرض لقوات الخلافة، بمشاركة طيران التحالف الدولي وبخاصة الأميركي.

على صعيد آخر، تمددت “دولة الخلافة” باتجاه مصر، حيث الفرع المصري لدولة الخلافة “تنظيم بيت المقدس” في شبه جزيرة سيناء الذي غيّر استراتيجيته من معاداة “إسرائيل” ومحاربتها، إلى الجهاد ضد الجيش المصري، وبناء على ذلك حصلت عدة عمليات عسكرية انتحارية ضد الجيش المصري، لذلك كان من الطبيعي أن تنضم مصر إلى التحالف الدولي لمحاربة “دولة الخلافة”، وأن تشدد السلطات المصرية على ضرورة حصول المواطنين المصريين الراغبين في السفر إلى العراق وسورية، على موافقة أمنية.

إلى ليبيا، والإعلان عن تأسيس إمارة إسلامية تابعة لدولة الخلافة، في مدينة سرت الليبية، بعد انهيار النظام الليبي، ومبايعة تنظيم “مجلس الشورى من أجل الإسلام” للبغدادي “خليفة المسلمين”، في مدينة درنة عام 2014. ويعود اهتمام دولة الخلافة بليبيا، إلى كونها ممرًا استراتيجيًا عبر البحر المتوسط باتجاه أوروبا، إضافة إلى غناها بالنفط والغاز اللذين يمكن أن يموّلا جهادها في المنطقة، وأيضًا لا يمكن إغفال الترسانة العسكرية التي خلفها القذافي في المستودعات الليبية.

تمدد خطر دولة الخلافة إلى أوروبا، حيث نفذت العديد من الهجمات العسكرية الانتحارية في المدن الأوروبية (بروكسل، باريس، كوبنهاغن) خلال عامي 2014 – 2015، إضافة إلى تجنيد آلاف الشباب المسلم في الدول الأوروبية، من أجل شنّ عمليات عسكرية داخل أوروبا. وأيضًا أعلنت روسيا الحرب على “دولة الخلافة”، ولكنها على أرض الواقع كانت توجّه ضرباتها العسكرية ضد الجيش السوري الحر، التنظيم العسكري المعارض للنظام السوري، باستثناء بعض الضربات القليلة للتمويه سياسيًا.

المفارقة أن “دولة الخلافة” لم تصطدم عسكريًا بشكل حقيقي ومباشر، مع من تعدّهم ألدّ أعدائها بدءًا من “إسرائيل”، حيث لم تنفذ أي عملية عسكرية ضدها وكذلك ضد إيران، أما بالنسبة إلى العراق، أيضًا لم تصل قواتها إلى المدن المقدسة للشيعة في الجنوب العراقي، إنما كان تواجدها ومسرح عملياتها العسكرية يقتصر على المدن ذات الأغلبية السنية، وكذلك الأمر في مناطق شرق سورية، وكانت معظم العمليات العسكرية لدولة الخلافة في سورية، ضد القوى العسكرية المعارضة للنظام السوري، وتحديدًا في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، التي خدمت استراتيجيًا -على المدى البعيد- سياسة النظام السوري، التي تدعي أنها تحارب الإرهاب، إضافة إلى العلاقات التجارية بين مؤسسات “دولة الخلافة” ومؤسسات النظام السوري، وبخاصة تصدير النفط إلى مناطق النظام السوري الذي لم ينقطع على الإطلاق، وأطلق عليه “نفط العرعور” كتسمية شعبية متعارف عليها بين المواطنين السوريين في مناطق سيطرة النظام، وكانت موارده المالية أحد مصادر تمويل “دولة الخلافة” الرئيسية، إضافة إلى البضائع الأخرى، وقيام الفنيين من مؤسسات النظام السوري بصيانة منشآت البنية التحتية الواقعة تحت سيطرة “دولة الخلافة”، ومن خلال الاطلاع على أرض الواقع، نفّذت قوات الخلافة العديد من المجازر بحق السوريين المعارضين، وخاصة في الريف الشرقي لمدينة حماة، وأيضًا في ريف مدينة السويداء التي خدمت النظام السوري -سياسيًا وإعلاميًا- حتى كاد المواطن السوري يعتقد أن قوات “دولة الخلافة” إحدى الميليشيات العسكرية الموالية للنظام السوري، في بعض المناطق التي سيطرت عليها.

أخيرًا، اتّخذت الولايات المتحدة فجأة قرار دفن “دولة الخلافة” في سورية والعراق، من دون مراسم عزاء، مع احتكار الميراث لنفسها من ذهب ونفط وغاز ووثائق استخباراتية، وعادت عناصرها إلى مراكز عملها الأصلية (الأجهزة الأمنية متعددة الجنسيات) مع الإبقاء على إمكانية ولادتها من جديد في أي زمان ومكان، وباسم إسلامي جديد ما دامت أيديولوجيتها تعشعش في الثقافة الإسلامية، وخلاياها نائمة في كافة الفروع المخابراتية في أصقاع العالم كله، تنتظر إيقاظها في الوقت والمكان المناسبين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق