مقالات الرأي

هل بدأ العد العكسي لانحسار النفوذ الإيراني عن المنطقة؟

لا يمكن اعتبار استقالة وزير الخارجية الإيرانية، جواد ظريف، حدثًا عابرًا في هذه الظروف، وبمثل هذه الطريقة المفاجئة، فهي تشير، فيما تشير إليه، إلى مأزق المشروع الإيراني الخارجي المستمر منذ عام 1979، والذي ارتدّ إلى الداخل الإيراني عبر احتجاجاتٍ شعبية سابقة، ووصل تأثيره الآن، بهذه الاستقالة، إلى بنية النظام ذاته، تحت ضغط العقوبات الأميركية من جهة، والضربات الإسرائيلية والتغاضي الروسي عنها في سورية من جهة أخرى.

لم تكن محاولات إقامة الدولة العربية ذات الطابع الإسلامي عبر التاريخ بمنأى عن محاولات التمدُّد المستمرة من قبل الدول التي هيمنت على آسيا الصغرى في الغرب وبلاد فارس في الشرق، ولم تنجُ الكيانات المشرقية التي أقيمت بعد “سايكس بيكو” من محاولات القضم المستمرة من قبل الوريثتين المعاصرتين، إيران وتركيا.

آخر محاولات التمدّد الفارسية قامت بها إيران بعد الثورة (1979)، وفيها تم المزج بين عقيدتين، قومية – فارسية ودينية – شيعية، وقد استخدمت الثانية كغطاءٍ للأولى. وبسبب عدم وجود حدود مشتركة مع معظم دول المنطقة، أو لعدم لفت الانتباه وامتصاص ردات الفعل، استخدمت إيران مرتكزات محلية، مذهبية غالبًا، لمدّ نفوذها، مستغلةً الخلاء القومي العربي للنفاذ إلى المنطقة، بعد انحسار الموجة القومية الناصرية عاطفية الطابع، وتمزّق أشرعة البعث في كلّ من سورية والعراق.

من جهة ثانية، كان من حسن حظ القائمين على المشروع الإيراني أن معظم الأنظمة العدوّة في المنطقة هي على نفس الخط الثيوقراطي، إلى هذه الدرجة أو تلك، ولولا الاختلاف المذهبي؛ لتمكّن هذا المشروع من التغلغل بسهولة نسبية في المجتمعات العربية المحكومة بذات النمطية، وذلك لكونه أكثر حنكة وأشدّ عزيمة وأقل تبعية للخارج – الغرب.

مع ذلك، وفي غمرة اندفاعها، تحمل العقائد في أحشائها جنين تلاشيها، الذي يكبر وينمو كلما اتسعت مساحة التأثير. هكذا، وبوصول النفوذ الإيراني إلى اليمن، في محاولةٍ للالتفاف على العقبات التي اعترضته في شرق المتوسط، وأهمها العقبة الإسرائيلية الكأداء؛ بلغ المدّ الإيراني ذروته، ثم تحوّل إلى عبءٍ بعد زيادة العقوبات الأميركية على طهران، وصار من الصعب على إيران تأمين الموارد الكافية للاستمرار في مشروعها التوسعي.

في كل الأحوال، يبدو أن نظام ولاية الفقيه، كنظام شمولي، سيبدأ بالتفكك من المركز وليس من الأطراف، كما هي الحال غالبًا بالنسبة إلى الأنظمة الشمولية، وسيترك أطرافه لتواجه مصيرها، فتعود لممارسة السياسة داخل بلدانها، وتتخلى عن استخدام القوة لتحقيق أهدافها التي تساوقت مع المشروع الإيراني.

فالحوثيون، بعد أن عجزوا عن السيطرة على اليمن وعجز التحالف الخليجي عن هزيمتهم، سيتابعون الانخراط في العملية السياسية، من خلال الاتفاق الذي ترعاه الأمم المتحدة في هذه المرحلة. وفي سورية، يصعب على إيران الإفلات من الكماشة الأميركية – الإسرائيلية – الروسية، وإلى حدّ ما التركية، إلا بما يحفظ لها ماء الوجه، المتمثل بالإبقاء على بعض الوجود ذي الطابع الديني والثقافي والاقتصادي، الأمر الذي لا يُقارن بما أملت إيران بالحصول عليه من خلال تطوير وتفعيل تدخلها في سورية على نطاقٍ واسع، منذ العام 2011.

العقدة الأصعب هي في العراق ولبنان، حيث تسيطر إيران من خلال قوى سياسية وميليشيات عابرة للدولة الوطنية وأكثر تجذّرًا، ومن غير المحتمل، في المدى المنظور، أن تحصل هزيمة ساحقة للمشروع الإيراني في هذين البلدين، إنما سيفضي الأمر إلى تحجيمٍ ملحوظ للدور الإيراني فيهما، ولا سيّما أن الرأي العام بدأ يميل أكثر فأكثر إلى رفض هذا الدور، فقد أظهرت الانتخابات الأخيرة (2018) في العراق أنّ ثمة معارضة شيعية وازنة ضد التدخل الإيراني السافر، وأشارت إلى وجود “شيعيتين” سياسيتين، لا واحدة، ما استدعى تدخلًا مباشرًا من الحرس الثوري لإجراء تسويات مريرة أملتها الضرورة بين مختلف الكتل السياسية عند تشكيل الحكومة العراقية.

أما لبنان، وكأنّ بلواه المؤسَّسة على صيغة 1943 الطائفية لا تكفي، وهي التي أنتجت الحرب الأهلية عام 1975، فجاء تحكُّم “حزب الله” في الدولة اللبنانية المنهكة بعد اتفاق الطائف، ليدخل لبنان في مأزقٍ سياسي عميق لن يتعافى منه إلا بتحرير الدولة من قبضة هذا الحزب، كشرط أساس للتفكير في إصلاح سياسي للصيغة السابقة. لكنّ تخلي إيران عن أهم قواعدها في الخارج، “حزب الله”، لن يكون بهذه البساطة، وربما تحدث بعض المفاجآت التي لا يمكن استثناء الحروب أو المعارك المحدودة منها، سواء كحروب أهلية أو تلك التي قد تقوم بها أطراف خارجية، و”إسرائيل” على رأسها بالطبع.

لا يعني التراجع إلى ما وراء جبال زغاروس زوالًا تلقائيًا للنفوذ الإيراني، ولا تحسنًا تلقائيًا في أحوال منطقتنا المصابة بكل أنواع العماء السياسي والأيديولوجي ومختلف أشكال الاستبداد، إنما يزيح واحدًا من أهم عوامل التسعير المذهبية، ويدفع باتجاه إعادة التركيز على الاستحقاقات الداخلية المؤجلة منذ مدة طويلة، كما يساهم في استتباب الحالة الاجتماعية ما قبل الوطنية، مع أن هذا الاستتباب سيبقى معرّضًا للانتكاسات الدورية؛ ما لم يتم تجاوزه نحو فضاءات المواطنة الحديثة، وظهور مختلف أشكال التنظيمات المدنية، كالأحزاب والنقابات والجمعيات والنوادي، إلى جانب الأطر الأهلية، ما يفسح المجال للمصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أن تعبّر عن نفسها بحريةٍ، في ظلّ قانونٍ يساوي بين الجميع، ويحدّ من صلاحيات الحكّام وتدخُّل الأجهزة الأمنية في عمل مؤسسات الدولة.

لن تحصل التطورات السياسية المواتية في منطقتنا بين ليلةٍ وضحاها، ومسار التحولات الجارية معقّد ومتفاوت، وتُعدّ التوجّهات الوطنية المرنة لأنظمة سياسية ديمقراطية وليدة، تعمل على تحقيق مصالح شعوبها الحيوية، حجر الأساس في هذا الصّدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق