سلايدرقضايا المجتمع

“لا” لعقوبة الإعدام

في سياق الإعدامات الجماعية في مصر؛ لنا أن نتساءل: لماذا يجب أن نؤيد الأمم المتحدة في مسعاها لوقف عقوبة الإعدام؟

لا أتحدث في هذه المقالة عن الإعدام، بوصفه مادة حقوقية أو أسلوبًا عقابيًا جدليًا في علم الإجرام، فهذه الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية لها شروطها ومعاييرها وسُبلها الاختصاصية.

ولكني أتحدث عن عقوبة الإعدام، بوصفها ظهيرًا للاستبداد والقمع، مع أن الاستبداد لا يحتاج إلى ذرائع، ولكن وجود هذه الذرائع بين يديه سيمنحه القدرة على هدر مزيد من الدماء، وسيمنح كوادرَه المشاركة في الإعدامات راحةَ ضمير ممزوجة بالحسّ الوطني.

فهل من سبيل إلى وقف حمّامات الدم التي يمارسها الاستبداد العربي، بوسائله الوطنية والقومية، والتي يزخرفها دومًا بـ “الدفاع عن الوطن، وحمايته من الخونة والعملاء والتكفيريين والإرهابيين”؟

في قانون العقوبات السوري، ترد أحكام صريحة بالإعدام في جرائم ملتبسة تمامًا، تتجاوز قضية القتل العمد إلى ممارسات غير منضبطة، ويمكن للسلطة التنفيذية التحكم فيها وفق مصالحها، ومن هذه المواد:

263- كل سوري حمل السلاح مع العدو (والنظام هو من يحدد العدو والصديق، وتحت هذا البند يمكن إعدام عشرات الآلاف من المعارضة السورية المسلحة، على سبيل المثال).

264- كل سوري دس الدسائس لدولة دولة أجنبية (وتحت هذا العنوان يمكن الحكم بإعدام الملايين من اللاجئين السوريين الذين وجدوا أنفسهم في دول اللجوء، وشرحوا معاناتهم لتلك الدول وحصلوا على اللجوء).

266 – كل سوري قام بتخريب المنشآت العامة حال الحرب (وتحت هذه المادة يمكن أن يحكم بالإعدام على مئات الآلاف من المتظاهرين الذين تجاوزوا الغضب السلمي، وقاموا ببعض الاعتداءات على المنشآت العامة).

298 – إذا حرض على الاقتتال الطائفي أو النهب وتم الاعتداء (وتحت هذا البند يمكن إعدام الآلاف من السوريين الذين واجهوا سلوكيات النظام، ودعوا إلى المقاومة والثورة).

305 – إذا دعا إلى عمل نتج عنه التخريب ولو جزئيًا في بناية عامة أو مؤسسة صناعية أو سفينة أو منشآت أخرى أو التعطيل في سبل المخابرات والمواصلات والنقل، (وهو نص يمنح النظام حق إعدام المتظاهرين إذا تجاوزوا حد التظاهر السلمي وقاموا بالتخريب).

وأمام هذه الحقائق المفزعة؛ فما هو السبيل القانوني لوقف هذه المأساة التي تسترخص دم الإنسان وروحه بنصوص قانونية؟

قد يكون التفكير في تغيير هذا الواقع المأسوي ضربًا من الخيال، نظرًا لأن مواد كهذه تشكل العمود الفقري لأسلوب الأنطمة الاستبدادية في قمع مخالفيها، ولكن ذلك لا يعفينا من النضال الحقوقي للوصول إلى هذه الغايات، كذلك كانت أوروبا، ولكنها حققت هذا التطور بشكل عملي عبر جهود النضال الحقوقي الذي خاضته الدول الأوروبية بعد الحرب، والذي سيكون أيضًا محلّ صراع وجدل في العالم العربي، ولكنه في النهاية سيكون حتمية تاريخية توجب لحاق هذه الدول البائسة، بما أنجزه العالم من نجاح تشريعي على مستوى إلغاء عقوبة الإعدام.

لقد كانت عقوبة الإعدام أهون من شرب الماء في الدول الأوروبية المتحاربة، ومارس الاستبداد النازي والفاشستي ملايين الإعدامات، بقوانين بائسة كان الناس يعتبرونها عدالة وحزمًا، وذات يوم أدرك الإنسان أنه يقتل أخاه الإنسان؛ وانتفضت أوروبا ضد هذه العقوبة المتوحشة، وبات اليوم أول شرط للحاق بالنادي الأوروبي هو إلغاء عقوبة الإعدام.

تم حتى الآن دخول 138 دولة في اتفاقية إلغاء عقوبة الإعدام التي تتبناها الأمم المتحدة، منها 28 دولة منعت التنفيذ فقط، ويتوقع أن يبلغ العدد 150 دولة نهاية العام الحالي، ولا تزال حتى الآن 58 دولة تمارس عقوبة الإعدام، وهي في الغالب دول متخلفة، تمارَس فيها المظالم السياسية على نحو واسع، ويكون فيها الاستبداد قادرًا على أن يقتل خصومَه بنص قانوني.

وتجدر الإشارة إلى أن اليابان وبعض الولايات الأميركية ما تزال تطبق حكم الإعدام، ولكن سائر الدراسات تؤكد أن التحاقهم بالمعاهدة الدولية هو مسألة وقت.

قناعتي أن مصلحة الشعوب الإسلامية العليا توجب إلغاء عقوبة الإعدام؛ فهي الطريقة الوحيدة التي لا يمكن لنظام ظالم قتل الناس والتعلل بالقانون.

لقد قدمت دراسة واضحة للمنظمة الدولية للإصلاح الجنائي، استعرضت فيها 12 أسلوبًا قدّمها الفقه الإسلامي لمناهضة عقوبة الإعدام، منها العفو والدية والغارمون ودرء الحدود بالشبهات، بل إن كلمة الإعدام لم ترد في كتاب ولا سنة، ولم يستخدمها سلف ولا خلف، وهي ممنوعة في الاعتقاد، لأن الإيجاد والإعدام شأن الله وحده، والإعدام هو القتل ليس إلا، أما القصاص فقد يكون بالقتل، وقد يكون بالعفو، وقد يكون بالدية، وقد يكون بالصلح والتفاوض.

ويكفي لتأصيل وجوب الدخول في المعاهدة الدولية الاعتماد على أصل سدّ الذرائع في الفقه الإسلامي، فهذه الدماء التي تراق كل يوم بالمئات كلّ يوم في البلاد العربية البائسة، تحت عناوين العقوبات السياسية والجنائية، توجب سد الباب بالكلية، ووقف حمّامات الدم المجللة بالقوانين.

عندما ينجح المشروع الدولي في ضم بلادنا إلى الاتفاقية الدولية لمناهضة عقوبة الإعدام؛ فسيكون كلُّ قتلٍ جريمةً، مهما تذرع بالقوانين والأنظمة، ولن يكون من حق أي قاض أن يحكم بالقتل، مهما كانت القضية التي ينظر فيها، وسيصبح كلّ قاتلٍ -سواء كان قاضيًا أو مفتيًا (يوقّع على القتل) أو جلادًا أو سجانًا أو سيافًا أو وزيرًا أو رئيسًا- ملاحقًا في كل مكان في العالم، كمجرم جنائي يطارده الإنتربول، مهما كانت دوافع القتل ومبرراته.

بهذه الطريقة؛ استطاع الأوربيون أن يتجاوزوا عقدة القتل السياسي، وبخلاف التوقعات فقد انخفضت معدلات الجريمة بشكل واضح، واستقرت عند الحدود الدنيا التي وصفها دوركهايم في حتمية العمل الجرمي في المجتمعات المتحضرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق