تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مناورات واشنطن بين طمأنة الحلفاء وفرض المنطقة الآمنة

يبدو أن الإدارة الأميركية تتهيأ لفرض أجنداتها في شمال شرق سورية، من منظور حماية مصالحها أولًا، ثم استرضاء حلفائها ثانيًا، بهدف استدراك الوضع الملتهب قبل الانفجار، ولا سيّما بعد التفجيرات التي حدثت في منبج والشدادي، وكشفت عن هشاشة أمنية لدى (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد) في ضبط الوضع والسيطرة.

وبعد أن شهدنا بعض المناورات من قبل الفواعل الدولية في المنطقة (تركيا، روسيا، إيران) في التحضير لملء الفراغ والنقاش حول مفاهيم “المنطقة الآمنة”؛ تبين أن جميع السيناريوهات أجهضت بعد ردة فعل البنتاغون الذي استطاع تصحيح مسار قرار ترامب، من الانسحاب إلى البقاء، وإدارة المنطقة من الخلف، وعدم ترك أي فراغ لأي تحرك تركي أو روسي.

في مؤتمر ميونخ المنعقد في دورته الـ 55، منتصف شباط/ فبراير الحالي، أعادت الإدارة الأميركية النظر في مضمون قرارها، وأفصحت بعض الشيء عن ماهية استراتيجيتها في سورية، خصوصًا أنها تتهيأ لإعلان الانتصار الأخير على تنظيم الدولة (داعش) والتحضير لما بعده، مع الإشارة إلى أن الغموض ما يزال يلف مصير المفقودين والمقاتلين الأجانب وأعدادهم الحقيقة.

وبغض النظر عن كل ذلك، أفصح نائب الرئيس الأميركي مايك بنس عن رغبة أميركا في إنشاء قوة مراقبة دولية، في شرق سورية، بمساعدة الحلفاء (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) وهو الأمر الذي لاقى رفضًا أوروبيًا لأن تلعب دور الفصل بين الأتراك والأكراد، من دون وجود الأميركان، فكان الرد حازمًا: “أتينا معًا وسنخرج معًا”. ووسط سعة التباينات الأوروبية الأميركية، كانت الإدارة الأميركية تقوم بإعادة تقييم جديد لما بعد (داعش) ويبدو أنها ارتأت ضرورة طمأنة الحلفاء، ومن ضمنهم ذراعها (قوات سوريا الديمقراطية) وتركيا التي لطالما تاجرت معها بالوعود، بدءًا من اتفاق منبج وصولًا إلى المراوغة في إنشاء المنطقة الآمنة التي دفعت تركيا إلى التشاور مع موسكو، في قمة سوتشي 23 كانون الثاني/ يناير الماضي، كمحاولة لنزع تأييد التوجهات التركية في شرق الفرات. وهنا يبدو أن موسكو أضاعت فرصة ذهبية، فبدلًا من أن تعزز مسار علاقاتها مع تركيا وتسحبها رويدًا رويدًا من مظلة حلف الناتو؛ وضعت فيتو أمام تركيا في شرق الفرات، من خلال تدوير اتفاق أضنة 1998 وشرط التطبيع مع النظام السوري، لكن تركيا تمسكت بالثوابت الاستراتيجية تجاه أمنها القومي، وتركت الباب مفتوحًا لموسكو لقمم أخرى.

على الطرف الآخر، يبدو أن أميركا لم تعد راغبة في التنازل لتركيا بمنحها ضوءًا أخضر لإنشاء المنطقة الآمنة وإنهاء قوات (قسد)، كما أنها لم تبدِ أي اهتمام لمبادرات أخرى، كمقترح أحمد الجربا بدمج قوات البرزاني مع “قوات النخبة” لتحقيق الانتشار في الشريط الحدودي، كذلك قوبل موضوع المصالحة بين الأكراد والنظام مؤخرًا بموقف صارم من قبل واشنطن، التي هددت -على لسان بعض المسؤولين- بوقف الدعم عن الأكراد، إذا حدث أي اتفاق كردي مع النظام وروسيا للتحرك في شرق الفرات.

في السياق، ظهرت، عشية 22 من الشهر الحالي، ملامح اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وتركيا، عقب إعلان البيت الأبيض فحوى مكالمة هاتفية، جرت بين الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب، إذ أكد الطرفان مواصلة الجهود في تنفيذ الانسحاب الأميركي من سورية المقرر 30 نيسان/ أبريل من العام الجاري، إضافة إلى مواصلة التنسيق في إنشاء المنطقة الآمنة، وتسريع خطوات تنفيد اتفاق منبج، وأضافت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز أن الولايات المتحدة ستبقي مجموعة من قواتها لحفظ  السلام بتعداد 200 مقاتل في شرق الفرات، ومثلها في قاعدة التنف في الحدود العراقية السورية الأردنية لبعض الوقت، وبدا ذلك أنه رسالة طمأنة للحلفاء الأوروبيين، مفادها أن واشنطن لن تتركهم بمفردهم في سورية، وستؤمن لهم كامل الدعم اللوجستي والمعنوي لقواتهم بهدف إبقاء قواتهم، ما يرشح أن أميركا قامت بعملية استدارة كاملة، برفض توكيل ترتيب المنقطة لتركيا أو لحلفائها بشكل كامل، واختارت هي أن تفرض المنطقة العازلة لإبقاء الوضع تحت السيطرة، بشكل يتناسب مع أهدافها الاستراتيجية في سورية. إزاء هذه التطورات يمكن استشراف أهداف واشنطن من الخطة الأخيرة كما يلي:

1 – منع ظهور (داعش) وضبط السيطرة

ترغب واشنطن، من خلال فرضها وإدارتها المنطقة الآمنة أو العازلة، في ضبط الوضع الأمني في المنطقة، منعًا من ظهور تهديدات جديدة، سواء من عناصر التنظيم الهاربين أو ظهور تنظيمات جديدة، قد تشكل بدورها خطرًا على الأمن القومي أو تعرقل أي صيغة أمنية لترتيب وضع شرق الفرات، بعد سحب 2000 مقاتل أميركي، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يترتب على الإدارة الأميركية -حسب وجهة نظرها- عدم التخلي عن (قوات سوريا الديمقراطية) واستمرار دعمها لها، وتمكينها -أمنيًا ولوجستيًا- لإدارة المنطقة عبر اللامركزية الاتحادية، وإسنادها من خلال قوات حلفائها الفرنسيين والبريطانيين لحمايتهم من أي استفزازات تركية.

2 – تعزيز العلاقة مع الشريك التركي وقطع الطريق على موسكو

إن مؤشر إبقاء جزء من القوات الأميركية في المنطقة، وإعلان تركيا وأميركا تعزيز العلاقات الأمنية في المنطقة، ورفع مستوى التعاون الاقتصادي المتبادل، ووعود جديدة في تطبيق اتفاق منبج، يُفصح عن اتفاق غير نهائي بين الطرفين، ينبع من سعي البلدين لإعادة بناء الثقة، وقد بدا من خلال كلام وزير الخارجية التركي الذي رحب بالتفاهم الجديد، أن تركيا ستحصل على ضمانات جديّة من واشنطن، تسمح لها بحماية أمنها القومي، فعلى الرغم من رغبة واشنطن في عدم التخلي عن وحدات الحماية؛ يبدو أن لدى تركيا مقاربة جديدة للتعامل مع الحدث الجديد، تبدأ من خلال تنفيذ اتفاق منبج، وسحب السلاح من (قسد) وتحجيمهم، وفي الوقت نفسه سيكون لها دور كبير في إدارة المنطقة الآمنة أو العازلة، مع ذلك من غير الواضح مدى التعويل على الوعود الأميركية، ولا يجدر بتركيا الاتكاء عليها، كما حصل معها في العديد من المرات، مع وجود عنصر التراجع والمفاجأة، ومع ذلك فإن تركيا مضطرة إلى التماشي مع هذه الوعود، في ظل تقليص خياراتها أمام حالة الاستعصاء الماثل بين تخلف أميركي واستفزاز روسي بورقة إدلب. كذلك يمكن للإدارة الأميركية -في حال أثبتت صحة وعودها لتركيا- تقليل التعاون الروسي والتركي، وإغلاق باب التعاون مع النظام السوري والأكراد الذين رحبوا ببقاء القوات الأميركية، كما جاء على لسان عبد الكريم عمر، أحد مسؤولي العلاقات الخارجية في المنطقة التي تسيطر عليها (قوات سوريا الديمقراطية).

3 – طمأنة الحلفاء الأوروبيين

المقاربة الأميركية الجديدة قد تتجه أيضًا إلى فرض حظر جوي على المنطقة المختارة، بهدف تبريد مخاوف الأوروبيين وحثهم أكثر على البقاء، إذا ما كانوا يرون أن تنظيم (داعش) لم ينته. ومع إبقاء تلك القوات في قاعدة التنف؛ سيكون قرار ترامب قد تحوّل فعليًا، من الانسحاب إلى إعادة الانتشار والتموضع، مع التنبيه إلى أن الأرقام التي أعلنتها أميركا 200 بـ 200  قد لا تكون دقيقة، ربما يكون الرقم أكبر من ذلك بكثير، لكن الدافع الانتخابي لترامب يُحتم عليه تنفيذ وعده بإعادة بعض الجنود إلى الداخل الأميركي، وعلى الرغم من وضوح المشهد الحالي، فإن خيارات الموقف الأوروبي ما تزال غير واضحة، فبعد الرفض والاستياء؛ حوّل ترامب الكرة مرة أخرى إليهم في انتظار ردهم على محاولة الاسترضاء التي طرحها البنتاغون كتصحيح عن خطيئة ترامب.

في المحصلة؛ يبدو أن قرار ترامب الانسحاب من سورية سيُحقق جملةً من الأهداف، فقد أدى القرار إلى انكشاف استراتيجيات الحلفاء والأعداء، أمام صناع القرار داخل البيت الأبيض الذي عمل على البناء عليها، ورسمَ سيناريو آخر للمنطقة، يصب في مصلحتها على وجه الخصوص، ويقطع الطريق أمام الجميع الذين أضاعوا وقتًا كافيًا في وضع تقديرات لما بعد الانسحاب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق