تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“السيادة الوطنية” خلف الخط الأصفر

خط أصفر مستقيم ومرسوم بعناية يقف خلفه رأس النظام السوري وحامل لواء “السيادة الوطنية”، مع مجموعة من الضباط الصغار مرافقي الرئيس الروسي في قاعدة حميميم.

وجود الرئيس في هذا المكان أمرٌ طبيعي، حسب الاتفاق الذي وقعه هو نفسه مع الدولة الروسية، حيث لا يحق لأي شخص كان دخول القاعدة، من دون إذن القوات الروسية، لكن ماذا كان يفعل رأس النظام السوري على أرض روسية حسب الاتفاق؟ ولماذا تم استدعاؤه طالما أن الأمر يتعلق بتفقد الرئيس الروسي لقواته هناك؟ ما دور الأسد في ذلك؟

الصورة قديمة، وهي تعود إلى نهاية عام 2017، وتم التقاطها في اليوم الذي تم التقاط صورة ثانية له بوضع أكثر إذلالًا، حين منعه أحد مرافقي الرئيس الروسي من مرافقة بوتين واضعًا يده أمامه. وبطبيعة الحال، من التقط هذه الصور هو جهاز المخابرات الروسي الموجود في القاعدة الروسية، وهذا أمرٌ اعتيادي، على أن يتم الاحتفاظ بالصور في الأرشيف كوثائق تاريخية، وهنا يأتي السؤال: لماذا تم نشر هذه الصورة اليوم، بعد أكثر من عام على التقاطها؟

نُشرت الصورة في اليوم التالي لخطاب بشار الأسد البائس، الذي تكلم فيه كثيرًا ولَم يقل شيئًا، لكن كان ثمة أمرٌ أزعج السلطات الروسية في خطاب الأسد، وهو الهجوم المباشر والوقح، من طرف الرئيس السوري، على حليف روسيا التركي؛ فبوصفه للرئيس التركي بأنه “أجير صغير” يكون قد وجه الإهانة إلى الرئيس الروسي بطريقة غير مباشرة، وكأنه يقول للرئيس الروسي إنك تجلس مع أجراء صغار، وتتحالف معهم. علمًا بأن الشراكة الروسية – التركية اليوم أهم بالنسبة إلى روسيا من الشراكة الروسية – الإيرانية في سورية، وفي أكثر من ملف، منها نقل الغاز من خلال الأنابيب التركية، والتجارة البينية بين البلدين روسيا وتركيا.

في هذا السياق تمامًا، قررت السلطات الروسية، ردًا على خطاب الأسد اليائس البائس، نشر هذه الصورة المليئة بالذل والمهانة، كي يقولوا لبشار الأسد إن هذا هو حجمك الطبيعي، وهذا هو مكانك المناسب. صحيح أن لروسيا مصالح في سورية تُقاتل من أجلها، ولكن مصالحها الاقتصادية مع الطرف التركي أكبر، وروسيا اليوم تسعى لبناء علاقات أقوى مع الطرف التركي، وتنافس في ذلك الولايات المتحدة الأميركية التي تسعى لتحسين علاقاتها مع أنقرة، في الوقت الذي لم تعد فيه روسيا تمانع خروج القوات الإيرانية من سورية، كجزء من الحل في هذا البلد.

ما فعله الأسد لم يسبقه إليه أحد من زعماء العالم، سواء من حيث التفريط في سيادة البلاد، أو من حيث الإساءة إلى مقام رئاسة الجمهورية، وقد تندّر أحد الظرفاء تعليقًا على الصورة قائلًا: “ماذا لو خرج أبوك من قبره اليوم، وشاهدك بهذه الحالة!”. نعم كان والده دكتاتورًا مستبدًا، ولكنه لم يكن ليقبل أن يقف خلف الخط الأصفر، لأنه ربما لم يتخيل أن عليه بيع نفسه مجانًا بهذه الطريقة.

هو ذا شأن المستبدين، مع الأسف، يكونون أقوياء في الداخل على شعوبهم، وضعفاء في الخارج أمام خصومهم، بل حتى أمام حلفائهم، حيث لا يستطيعون أن يُعاملوهم بندّية، فيكونون مستعدين للتنازل عن السيادة الوطنية، مقابل السيادة على كرسي الحكم، ومستعدين للوقوف خلف كل الخطوط بكل ألوانها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق