سلايدرقضايا المجتمع

واقع ومعاناة ذوي المعتقلين السوريين: التخلي والإهمال

يعيش مئات الآلاف من خيرة شباب ونساء وشيوخ وأطفال سورية، منذ سنوات في غياهب السجون والأقبية التي صنعها النظام الأمني السوري، ليُغيِّب فيها كل من يمكن أن يكون له رأي أو موقف مؤيد للثورة التي انطلقت أواسط آذار/ مارس 2011، ولا تقتصر المشكلة على ما يعانيه السجين السياسي داخل أقبية الموت الأسدي، ولا على أساليب التعذيب التي تُمارس بحقهم، ولا على مصيرهم المجهول وسط صمت العالم (المتحضر)، بل هناك عذابات أخرى ومعاناة أشد، وهي ما تعيشه أُسر المعتقلين، وقد تجاوزت أعدادها مئات الآلاف. هذه هي المعاناة التي تفقأ العيون، وتلفح الوجوه، فوجدنا أنه لا بدّ من تسليط الأضواء عليها، في محاولة جادة للوقوف حقًا إلى جانب المعتقلين وقضيتهم العادلة، ومع ذويهم الذين يعيشون كل أنواع المآسي.

الصحافية السورية فرح عمورة، التي اعتُقل زوجُها الطبيب سعيد النجار من العاصمة دمشق منذ ما يزيد عن 6 سنوات، قالت لـ (جيرون): “زوجي طبيب، ومعروف أنه يُطلب من كل الأطباء عند التخرج أن يقسموا على قسم (أبقراط) ليساعدوا أي جريح أو مريض. لكن عناصر النظام، في اعتقاله الأول والثاني، يحاسبونه ويعاقبونه بطرقهم التعسفية على شيء أقسم عليه أساسًا، وهو واجبه”، وأضافت: “لقد أخذوا زوجي من غرفة العمليات، وحرمونا منه مدة طويلة، واليوم لا نعرف عن مصيره أي شيء، كما أن التعذيب الذي تعرض له في الاعتقال الأول إجرامٌ لا يستوعبه عقل، وهو شيء غير موجود في قانون الإنسانية، ولا بد أن يتم تقديمهم للعدالة، ولكن أي عدالة أساسًا يمكن أن تُحاسب مثل هؤلاء الأشخاص أو هذه العصابة، يجب أن يكون هناك إدانة مباشرة لا تسامح، وليس هذا حقنا الشخصي فحسب، بل هو حقوق البشر والوطن”.

ثم تحدثت عن معاناتها بعد الاعتقال، فقالت: “حين كنت أتردد على الشرطة العسكرية بدمشق لأسأل عن مصيره؛ كنت أشاهد وأشعر بأن كل الشعب السوري يقف على أبواب الشرطة العسكرية، ولديه معتقلون يسأل عنهم، من كل المحافظات، وبكل المآسي، وكان التعامل السيئ جدًا من قبل الشرطة العسكرية مع أسر المعتقلين، وبدلًا من أن يراعونا، وهم من أخذ معتقلينا، كانوا يتعاملون معنا بطريقة تعسفية وبطريقة سيئة، وبكلام غير لائق، وطريقة غير لائقة، وانتظار طويل، وإهانات، وطوابير بشرية، لساعات طوال ينتظر الأهالي كي يحاولوا أن يروا أسماء أبنائهم، كنا نرى اللؤم والفظاظة والحقد، إنهم فعلًا عصابة، حتى قانون الغاب فيه شيء اسمه قانون الغاب، لكنهم كانوا يتعاملون معنا بطريقة غوغائية، لا يوجد فيها أي إنسانية، وأي قانون”.

ووجهت عمورة نقدًا إلى المعارضة السورية والمنظمات ذات الصلة، واتهمتها بـ “الإهمال والتخلي عن ذوي المعتقلين، فليس هناك منظمات تسأل عنا أو هيئات معارضة تهتم لأسر المعتقلين، بكل أسف”.

أما سليم أبو النصر، ابن المعتقل سعد الله أبو النصر، الذي اعتقل منذ أكثر من سبع سنين من مدينته أريحا، فقال: “نأمل من الله عودته سالمًا، مع أن الموضوع مضى عليه قرابة سبع سنوات وهو مريض بالقلب”، وأضاف: “ليس الأمر لي وحدي فلكل أبنائه وأقربائه الحق في القصاص، لكن المسامحة صعبة للغاية، إلا إذا كانت في سبيل تعافي بلادنا من جديد بتحقيق الأهداف التي خرج شعبنا من أجلها، وعلى ما عانينا بفقدان والدنا، فإننا نكره هذا النظام الفاجر، كما يكره المؤمن أن يُقذف في النار بعد أن أخرج منها، حيث أوصلنا اعتقال والدنا إلى الحالة النفسية السيئة، فلا يكاد يغادر طيفه أذهاننا، وبخاصة والدتنا، علاوة على التخلي وعدم الاهتمام بنا من أطراف المعارضة كافة”.

الطبيب البيطري خليل سيد خليل، من مدينة كفر تخاريم، وهو معتقل سابق في العديد من أفرع الأمن، وقد عانت أسرته أثناء غيابه، قال لـ (جيرون): “حياة المعتقلين في السجون السورية شديدة الأهوال، لكن معاناة أسرة المعتقل أثناء مدة الاعتقال لا تقلّ عن معاناة المعتقل، حيث إن عليهم السعي لتأمين المعيشة اليومية للأسرة، وتأمين السكن وتربية الأطفال، وفي أغلب الأحيان يدير المجتمع ظهره لهذه الأسر، فتكون النتيجة تحمل الأعباء، من أجل تأمين المعيشة اليومية للأسرة، وتأمين السكن وتربية الأطفال”، وتابع: “لو كانت منظمات المجتمع المدني تهتم بأسر المعتقلين؛ لكان الوضع أفضل بكثير، حتى المعتقلون، بعد خروجهم من السجن، يعانون كثيرًا بتأمين متطلبات الحياة اليومية، والمسؤولية تقع على الجميع، المجتمع والمنظمات المدنية”.

أما الكاتبة الصحفية ياسمينا البنشي، وهي معتقلة سابقة، فقد أكدّت لـ (جيرون) أن معاناة أهالي المعتقلين “تفوق الحدود، معاناة الفقد والتغييب القسري والتعذيب والقتل تحت التعذيب وحتى الحرمان من تسليم جثة المعتقل لدفنها بشكل إنساني، أما المعاناة الأكبر لهم فهي استغلال المحامين في مناطق النظام، والسماسرة، وابتزاز الأهل ليحصلوا على معلومة عن معتقلهم، وزادت عمليات النصب والكذب على عائلات المعتقلين، في الآونة الأخيرة، على خلفية توق الأهل وشوقهم لأبنائهم وذويهم المغيبين في سجون النظام السوري”.

وتحدثت عن التخلي، وقالت: “هناك تخل عن هذه القضية، سواء من المجتمع الدولي، أو من المنظمات الدولية، والواجهة السياسية للمعارضة السورية، التي فضلت العمل على حقيبة الدستور والانتخابات التي تؤمن استدامة لمناصبهم وسفرهم”.

في الموضوع ذاته، قال موسى الهايس، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان – فرع الخارج، لـ (جيرون): “لم تحظ قضية المعتقلين بالاهتمام المطلوب، لا من المعارضة السورية المتصدرة للمشهد السياسي، ولا من المجتمع الدولي والمنظمات الدولية ذات الشأن، التي اقتصرت على التذكير بهم، عبر بيانات خجولة كالبيانات التي تصدر عن المنظمات الحقوقية وتوثق أعدادهم، كمنظمة العفو الدولية، وغيرها من المنظمات الحقوقية السورية، الأمر الذي كان سببًا في كثير من المآسي على أسرهم، سواء على الصعيد الإنساني أو الحقوقي، ومما زاد في معاناة ذوي المعتقلين ما فعله النظام مؤخرًا، إذ قام بإبلاغ أسر بعض المعتقلين لديه، بضرورة الشروع بإجراءات تثبيت وفاة ذويهم، الذين كانوا رهن الاعتقال في السجون والمعتقلات. وذلك بطريقة مهينة تتنافى وجميع المواثيق الإنسانية والأعراف الاجتماعية، حيث قام النظام بالكشف عن قوائم تضم أسماء ناشطين كانت أجهزته قد اعتقلتهم، تبين أنهم لقوا حتفهم في أثناء الاعتقال، وإرسالها إلى دوائر سجلات الأحوال المدنية في المحافظات والمدن السورية، مرفقة ببيان موحد عن سبب الوفاة على أنه طبيعي، وذلك من دون تسليم جثثهم”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق