هموم ثقافية

ثقافة أم فولكلور!؟

في محاضرة عبر الإنترنت، نظمها منتدى الجبل الثقافي؛ ورد تعريف طريف للثقافة يقول بأنها كل ما قرّ واستقر ووقر في نفوس الناس… إلخ. وهو يختلط -إلى حد كبير- مع تعريف التراث الشعبي أو الفولكلور (حكمة الشعب)، فهل الثقافة هي كل ما ورثناه عن الأجداد؟ وما الفرق بين التراثي والثقافي؟

إن التراث ينتمي إلى الماضي، هو هويتنا السابقة، أما الثقافة فهي هويتنا الجديدة المتجددة، إنه الانتماء إلى المستقبل، والمثقف الحقيقي، هو الوريث الشرعي للثقافة الإنسانية، وفي المقدمة منها ثقافة شعبه وأهله، وهو مطالب بحراستها والمحافظة على أجمل ما فيها، لكن الثقافة لا تستطيع أن تدافع عن القبح والجهل، ولا تستطيع أن تتبنى قيمًا تتعارض مع إنسانية الإنسان، مثل التحريض على الحرب (الغزو) وممارسة العنف والقتل والسلب والاغتصاب، وكذلك ممارسة العنصرية والفاشية والانعزال، والكثير من القيم الطائفية والعشائرية والقومية.

نستطيع -طبعًا- أن نعتبر الموروث ثقافة، لكنه –عمليًا- ليس ثقافة حقيقية، لأنه ليس عقارًا أو قطعة أرض يرثها الخلف عن السلف، بل هو سلوك بشري نتبناه ونزاوله ونحنّ إليه، ولأن الأجيال عبر تداولها للتراث تهمل الكثير منه، وتتخلى عن ممارسته (والثقافة -كما نعلم- ممارسة)، وتقذف به إما إلى سلة النفايات، أو إلى المتاحف ومستودعات “الأنتيكا”، كي يكون مرجعًا للدارسين والباحثين. وأبسط مثال على ذلك الألبسة القديمة كالشروايل والقنابيز وأغطية الرأس، والأدوات البائدة كالفانوس والمحراث الروماني والحصان والسيف، وكذلك العادات والتقاليد والأعراف المبنية على خرافات فرضتها علينا الظروف المعاشية ومستوى التطور البشري، والتي لم تعد مناسبة لعصرنا، وما أكثرها.!

ثم إن الموروث الشعبي خليط عجيب من الغث والسمين، تسقط منه القيم الدنيا، بحكم التطور العلمي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والأخلاقي؛ ولا يبقى منها سوى القيم العليا التي تتماشى مع القيم الإنسانية. بعضها يسقط بالتقادم -كما يقال- وبعضها الآخر يسقط أمام التطور الثقافي والجمالي الجديد الذي تنتجه المجتمعات الحديثة (والثقافة منتجة لهذه القيم وحارسة لها).

كما أن التراث ليس التاريخ، فالتاريخ أحداث مضت وتحولت إلى وثائق وكتب وسرديات، ومن حق الأجيال القادمة معرفتها والاطلاع عليها وتمحيصها. إنه حقل معرفي وثقافي، أما التراث فهو ممارسة مباشرة، قد يشكل بعضها خطرًا على المجتمع المعاصر، كالثأر والغزو والذكورية المتورمة والنظرة المتخلفة إلى المرأة، والكثير من القيم العشائرية والطائفية البائدة، التي كانت ذات يوم ناجعة بسبب التخلف والجهل، ولم تعد صالحة اليوم في ظل تطور التكنولوجيا والاتصالات، وقيام الدول الحديثة، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان. وهذا ليس انتقاصًا من أهمية وقيمة التراث، كما يظن السلفيون المتمسكون بالسلف الصالح، فالصالح سوف يستمر، سواء أردنا ذلك أم أبينا، والطالح سوف ينهار عاجلًا أو آجلًا.

إن عددا كبيرًا من القيم والأخلاق والمعتقدات والعصبيات والعادات والتقاليد الراسخة في عقولنا ونفوسنا؛ قد مات، وبات من المستحيل إنعاشه؛ فهل يجوز أن يكون جزءًا من ثقافتنا المعاصرة؟ أم علينا الأخذ بما قاله علي بن أبي طالب: “لا تُكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”.؟ وبالمناسبة، هذا القول المأثور، ما زال يرعب السلفيين حتى الآن، فيؤولونه حينًا، ويفسرونه بغير معناه حينًا آخر، وينسبونه في كثير من الأحيان إلى سقراط؛ كي ينزهوا الإمام علي، عن قول مثل هذا الكفر والتجديف!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق