تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

المنطقة الشرقية وتعدد السيناريوهات

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تغريدة خاصة، قراره سحب القوات الأميركية من سورية، وأنه تفاهم بذلك مع الرئيس التركي، وما قيل عن مفاجأته لأركان إدارته، واستقالة وزير الدفاع، وغيره؛ انفتحت الشهية على عدد من الاحتمالات والسيناريوهات.

السؤال الذي ما يزال الشدّ والجذب فيه متواصلين يتعلق بحقيقة ذلك القرار، بمعنى واضح: هل حقًا ستنسحب القوات الأميركية من كامل الأراضي السرية، انسحابًا تامًا، أم من بعضها، أم أن القرار نوع من الالتفاف لما يمكن اعتباره إعادة انتشار؟

في البداية، حدد الرئيس الأميركي المدة بـ 90 يومًا للانسحاب، وأن السبب الرئيس هو “القضاء تمامًا على داعش”، وتبين -عبر مزيد من التبدلات- أن الوقت قابل للتمديد والمماطلة، وقد خرجت تصريحات أميركية متناقضة حول المدة، بل حول فكرة الانسحاب بالأصل، يُفهم منها أن الزمن مفتوح، وأن الانسحاب لن يكون نهائيًا وكاملًا، بينما هناك مسؤولون في الإدارة الأميركية رفضوا الفكرة من أساسها، واعتبروها نوعًا من إعادة انتشار، بل إن هناك من يعتبر أن (داعش) لم تنته، وأن من المبالغة التعميم، وأنها موجودة في عدد من المناطق والقرى في العراق وسورية، وأن وجودها الكثيف في البادية السورية، وفي جيوب مختلفة، يتيح لها العودة وتوجيه ضربات مؤذية للقوات الأميركية، كما حدث منذ مدة، وربما تمتلك القدرة على استعادة وجودها في عدد من مناطق العراق كالحويجة وبعض القرى، وفي قرى في محافظة دير الزور، وربما في الجنوب أيضًا.

ينفي كثير من المهتمين بالشأن السوري وجود نيّات للإدارة الأميركية بالانسحاب الكامل، بعد أن أقامت قواعد عسكرية مهمة في مناطق استراتيجية، وعلى سبيل المثال، فمن شبه المستغرب أن تتخلى عن قاعدة (التنف)، وعن التواجد في مناطق البترول والغاز، إن كان السبب شعاراتها المطروحة عن مواجهة إيران والحاجة الملحة إلى وجود قواعد عسكرية وقوات أميركية قريبة، حيث لا تكفي قواعدها في العراق (قاعدة عين النسر) وغيرها، أو ما هو معروف عن وجود مواد أولية حيوية في التنف ومناطق حمص، لها علاقة بالصناعات الإلكترونية المتطورة، وما تشمله المنطقة الشرقية من ثروات.

في اللقاء الهاتفي الطويل، بين الرئيسين التركي والأميركي، جرى التفاهم على عدة نقاط:

1 – انسحاب أميركي مرحّب به من قبل تركيا.

2 – إيجاد منطقة آمنة بإشراف تركي.

3 – تتولى تركيا مسؤولية محاربة التنظيمات الإرهابية وإنهائها في المنطقة.

4 – التفاهم على ملء الفراغ في بقية مناطق الجزيرة والفرات، من خلال شعار فضفاض يتلخص بأن يتولى أهالي المنطقة المسؤولية.

على الرغم من انقضاء المهلة المحددة للانسحاب الأميركي، فإنه لم يتحقق، على العكس يبدو أنه قابل للتمديد، والتجديد، والأهم من ذلك أن المنطقة الآمنة التي جرى الحديث عنها، بأن تشمل خط الحدود التركية مع سورية، بعمق 42 كم، لم يتمّ التفاهم المبلور عليها، وهناك تباينات في مضمونها، وزمن تنفيذها، ناهيك عن وجود اعتراضات روسية وإيرانية.

هنا تبرز مسألة الموقف من التنظيمات الإرهابية وتصنيفها، فتركيا تعتبر -إلى جانب (داعش) والقاعدة- أن حزب العمال الكردستاني، وذراعه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، تنظيمات إرهابية، ويشمل ذلك ما يعرف بـ (قوات سوريا الديمقراطية)، وأن إقامة المنطقة الآمنة رهنٌ بخلوها من تلك التنظيمات كافة، خاصة أن تركيا تعتبر تلك التنظيمات خطرًا على أمنها، ولا يمكن أن تسمح بأي وجود لها، مدنيًا كان أم عسكريًا، ويشمل الخلاف ما يلي المنطقة الآمنة في ما يخصّ المنطقة الشرقية بعد تلك الحدود.

في هذا الصدد، يبرز الخلاف قويًا بين تركيا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، وهما الرافضتان وجود منطقة آمنة بتلك المساحات والعمق، وقد طرحتا بديلًا بتطبيق “اتفاقية أضنة” التي عُقدت بين تركيا والنظام السوري نهاية عام 1998، وتسمح لتركيا بالتدخل في الأراضي السورية بعمق 5 كم حفاظًا على أمنها، ورفض تركيا بدعوى أن الواقع الحالي مختلف بوجود تنظيمات إرهابية متموضعة على امتداد معظم الشريط الحدودي مع سورية، وتهدد الأمن التركي.

على صعيد آخر، الخلاف ما يزال كبيرًا بين الأطراف المعنية، حول وضع ومستقبل المنطقة الشرقية في ما يتجاوز المنطقة الآمنة، وماذا يعني ملء الفراغ من قبل أهالي المنطقة.

هنا تتعدد السيناريوهات والآراء؛ فروسيا وإيران تطالبان بعودة المنطقة إلى النظام، وأميركا تطرح تصورات مختلفة حول القوى التي يجب أن تشارك، وفي مقدمها العرب في (قوات سوريا الديمقراطية) للمناطق العربية، وبعض الأكراد من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في المناطق الكردية، بينما يقترب الموقف التركي من موقف المعارضة، بتحضير قوات عربية وكردية من الأهالي والجيش الوطني، ومن قوات البيشمركة التابعة للمجلس الوطني السوري، والمكوّنة من عدد من الضباط والجنود الأكراد السوريين المتواجدين في أربيل (كردستان العراق)، ونفي وجود قوات ملتزمة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وضمن أفق وخط وقيادة (قوات سوريا الديمقراطية).

كما أن هيئة التفاوض السورية، وقيادة الائتلاف، أجرت لقاءات معمقة مع رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، وتم التفاهم على وجوب تهيئة قوات سورية من مختلف المكوّنات من دون إحداث فصل بينها، وفي إطار قيادة موحدة تقوم بتوزيع تلك القوات في المناطق، وفق أكثرية السكان فيها، من العرب، أو الأكراد، أو السريان الآشوريين، وغيرهم، وبما يحول دون تموضعات على أساس عرقي. وهناك تجهيزات، تشارك فيها تركيا وغيرها، لتحضير قوات من العشائر والقبائل العربية، أبناء المنطقة، وتقوم “لجنة الجزيرة والفرات” المشكلة في الائتلاف -بالتعاون مع الحكومة المؤقتة- بعمليات تحضير واسعة لأبناء المنطقة، وانتخاب مجالس محلية، وبعض المؤسسات الضرورية. كما يسعى أحمد الجربا (رئيس تيار الغد) للمساهمة في الجهد المزمع لترتيب أوضاع المنطقة.

ترتيب أوضاع منطقة الجزيرة والفرات، بغض النظر عن مشاريع الدول الأخرى، تزاحمها، وخلافاتها، يحتلّ أولوية كبرى في هذه المرحلة، ويجب تهيئة الظروف كي يتحمّل أبناء المنطقة إدارة شؤونهم بأنفسهم، وهو أمر ممكن، ويلقى قبولًا واسعًا من عديد القوى والفعاليات والشخصيات، وأبناء العشائر في المنطقة الشرقية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق