مقالات الرأي

الإسلام السياسي بين الحكم والحاكمية

تواجه التنظيمات الإسلامية أزمة وجودية خانقة، ترتبط بالتحولات الدراماتيكية على مسار الربيع العربي، حيث إنها تُحمّل مسؤوليةَ فشل الحراك الثوري، وهو ما جعلها تخسر قسمًا كبيرًا من رصيدها الشعبي الواسع الذي تراكم خلال عقود طويلة، منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، على يد الشيخ حسن البنا.

تغيّرت الصورة الشعبية العفوية الأولى لاحتجاجات الربيع العربي، مع تزايد دور ونشاط المشايخ ورجال الدين في الحراك، ولم تفلح جهود الناشطين في الحفاظ على إطار وطني جامع، والابتعاد من أسلمة الثورة التي كان يدفع النظام الحراكَ نحوها قسرًا، عبر ممارسات طائفية منهجية، بغية استغلال ذلك أمام الغرب في البرهنة على علمانيته.

تصدّر الإخوان المسلمون قيادة هيئات الثورة والمعارضة، بفضل الدعم الإقليمي الكبير الذي تدفق عليهم، وقد ساعدت أجواء الانفتاح السياسي السائدة في ظهور حالة من التعاون، لم تدم طويلًا بين أوساط معارضة من اتجاهات سياسية وأيديولوجية مختلفة، فقد عمل الإخوان على الاستئثار بالدعم، وتوجيهه إلى أتباعهم ومصالحهم الحزبية الضيقة، ومن ثم تهميش وإقصاء الكفاءات والخبرات الوطنية عن هيئات المعارضة، والابتعاد من الشفافية والمحاسبة والعمل المؤسساتي، وهو ما أدى إلى ظهور الفساد والاستبداد، وتحويل دفة الصراع باتجاه الوصول إلى السلطة من خلال امتطاء الثورة، وقد حصلوا على ذلك بالفعل في تونس ومصر، وتبع ذلك الانهيار، بسبب أخطاء قاتلة مهدت الطريق لظهور الثورات المضادة للربيع العربي.

ظهرت العديد من الجمعيات والمنتديات في المشرق العربي، مع بدايات القرن العشرين ونهاية الحكم العثماني، ويمكن اعتبارها بمنزلة أحزاب سياسية، من حيث برامجها ونشاطاتها القومية والاجتماعية، ومنها جمعية العربية الفتاة، وتوقف تطور تلك الحالة باتجاه مجتمعات مدنية، بسبب الحالة الاستعمارية التي خضعت لها البلاد العربية.

نشأت الحركات الإسلامية على أسس دينية نهضوية ومناهج دعوية إصلاحية للفرد والمجتمع، وبينما تتجنب الحركات الصوفية والدعوية بشكل صريح الانخراط في أي عمل سياسي، كان هناك ما بات يسمى حركات الإسلام السياسي التي تشكل السياسة صلب عملها، حيث تسعى لتنفيذ برامجها من خلال استلام السلطة، ومن أهمها حزب التحرير الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين التي تعتبر الحركة الأم لمعظم الحركات والتنظيمات الإسلامية المعاصرة، وقد حاولت تلك الحركات الوصول إلى السلطة مرارًا، بالقوة وعبر الانقلابات أو من خلال المشاركة في العملية السياسية، لكنها كانت تقع باستمرار من جهة تحت ضغط مبدأ الحاكمية لله الذي كرسه سيد قطب، والذي لا يقبل بأي تشريع أرضي، ويحكم بالكفر على من يرفض أحكام الله، ومن جهة أخرى تحت ممارسات أنظمة منعت العمل السياسي، وخاصة ضمن تيارات إسلامية، وهو ما فرض عليها التحوّل نحو العمل السري، وتبني مبدأ التغيير بالقوة في مواجهة عنف الأنظمة، وتكرس ذلك مع ظهور الإسلام الجهادي القاعدي، ثم جاءت أحداث الربيع العربي لتشكل لها فرصة سانحة للانقضاض على السلطة.

لا يمكن إعفاء باقي الأحزاب والتيارات غير الإسلامية من مسؤوليتها، تجاه ما حلّ بالربيع العربي، وتدور تساؤلات حول سبب فشلها في استقطاب الجماهير وقيادة الحراك، وتوقعات عن حقيقة موقفها وسلوكها، إذا ما حازت نفوذ الإسلاميين، وهل سيكون مختلفًا؟

بعد هذه التجارب المريرة؛ هل ستتخلى الحركات الإسلامية عن النشاط السياسي، وتتجه نحو العمل الدعوي؟ وهل تقبل العمل السياسي ضمن أحزاب سياسية مرخصة في دولة مدنية؟ وهل تعمل جماعة الإخوان فعلًا على فك ارتباطها بالتنظيم العالمي ومكتب الإرشاد الدولي، وتسعى للتحول إلى تنظيم وطني؟ وربما الأهم هو تخليها عن العمل السري وتبني الفكر الانقلابي، والعمل ضمن أطر القوانين والأنظمة السائدة.

ليس من السهل على الحركات الإسلامية تجاوز أزمتها التاريخية، وربما يتغير الأمر لو أدركت أن السياسة تشوّه الدينَ وتسامحَه، كما أن قواعد الدين تعطل عمل السياسة وديناميكيتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق