هموم ثقافية

ماذا فعلت الثورة بالوحش.. ماذا فعلت الموسيقا بالجنرال؟

الوحش

في رائعته (الدون الهادئ) وهو يصف صراع البيض مع الحمر ينتحي -ولا نقول يطرد- شولوخوف المثقفين جانبًا! ولا أعرف لماذا لم يُعرهم أهميةً في مثل هذه الرائعة الأدبية، كرواية متحت مادتها من الطبيعة؛ إذ بقدر ما كشفت عن العلاقة الغريزية ما بين الناس وأرضهم، وعشقهم لنهرهم (الدون الهادئ)؛ حيدت المثقف الذي عوّلت عليه كثير من روايات الواقعية الاشتراكية، عن مستقبل أول دولةٍ شيوعية في العالم. ولا سيما أن شولوخوف، على طول الزمن الروائي، لم يلبس قميص هذه الواقعية إلا فيما ندر، حتى إنه يغمز في مواضع من الرواية، بعبارات واضحة، الماديةَ بشقيها التاريخي والديالكتيكي، وبقسوة جارحةٍ فيها تهكم واضح، من مثل قوله حين ماتت لستنسكي: إن القدَر يفرض علينا قوانينه التي لم يدونها البشر. ‏

وشولوخوف في غمزه المادية، والمثقفين، اعتمد على بطلٍ شعبي: غريغوري، شخصية جاء بها من خارج النسق الحضاري لثورة أكتوبر 1917، شخصية انفعالية، عندما تثور لا ضابط ولا رادع لها، وأوّلُ ما تلغي وتطيحه، لحظة انفعالها، العقلُ عقلها. شخصية لم تكمل تعليمها في كنيسة القرية، لدرجة أنها تقرأ الأحرف بصعوبة، وتمسح يديها بعد الطعام بشعر رأسها أو بحذائها.. إلى آخره، ولولا أن غريغوري عشق أكسينيا التي تحتقر زوجها ستيبان الذي يهينها ويعذبها؛ لكنّا مع شخصيةٍ يكاد سلوكها أن يكون أشبه بسلوك الوحوش. ‏

إكسينيا هذه جوْهرتْ وأبرزت الإنساني الذي فيه. حب الأرض، الذي يسكن أعماق غريغوري ابن طبقة من التجار “آل ميلكوف”، هذا الحب كان غريزيًا فطريًا؛ إذ كانت تلازمه هذه القاعدة التي جبل عليها القوزاق: أنت قوزاقي؛ لذا عليك، من أجل أرضك، أنْ تقتلَ من دون رحمة، لأن لك حقًا في قتل العدو في ساحة المعركة، وكلما قتلت رجلًا في الحرب؛ غفر الله لك خطيئة.

هذه القاعدة نرى ضوءها يلمع في قلب غريغوري، عندما يأمر القائد بودتولكوف بقتل الضباط الأسرى؛ فيتخلى عن شيوعيته، وينظر غريغوري إلى بودتولكوف، وإلى الروس عمومًا، على أنهم غرباء، وأن الحرب صارت في بيته، فينقلب على قائده البلشفي، ويشارك في الثأر منه الثأرِ المرعب الدامي. فيهرب، ويصير مرتدًا على مأساته، ولا يستطيع الخروج منها، ونرى غريغوري طريد ثورة 1917، يفضل أن يلتحق بعصابات “فومين” على أن يكون سجينًا. وبذا، لا يبقى له سوى معشوقته إكسينيا كحلمٍ، كملاذٍ، كوطنٍ أخير. فيلجأ إليها، وتكون هي في أيامها الأخيرة، وعندما تموت ويدفنها، يدفن معها ما بقي له من أحلام. ‏

غير أن شولوخوف لا ينهي أحداث الرواية هنا، بل يمدد لغريغوري، حتى لا يزعل الواقعيون الاشتراكيون، وقبيل العفو الذي تمنحه ثورة 1917، بمناسبة عيد العمال العالمي، نرى غريغوري يتراجع عن قراره، وكأنه كان عليه أن يعيش مع الثورة لا أن يعيشها، فيلقي ببندقيته ومسدسه مع ما فيهما من طلقات، في نهر الدون، ثم يعبره ليلتقي بولده الصغير ميشتكا الذي يكون واقفًا على باب بيته.

‏الجنرال

في ماض ليس ببعيد، كان للحرب فرقة موسيقية، وكانت تدق موسيقاها بالطبول، فتبعث الحماس والوطنية في روح الشعب، كما في روح الجند، من أجل جلب النصر قبل دخول الحرب. بل إن بعض الدول كانت ترسل جنودَها -لم ترسل أي دولةٍ كما حصل في رواية (الجنرال) للإنكليزي آلان سيليتو، حين أرسلتْ إحدى الدولتين المتحاربتين فرقةً موسيقية إلى الجبهة، حيث الحرب مستعرة، لتعزف موسيقا للجنود- كي تُرفّه عنهم، وفجأةً يتبدل الموقف العسكري، وتقع الفرقة الموسيقية في قبضة جيش العدو، فيصيرون أسرى حرب. وفيما هم يقبضون على آلاتهم الموسيقية، نرى عدوهم يقبض على آلاته الحربية من بنادق ومسدسات ومدافع وصواريخ، ويصوبها نحوهم. ما العمل؟ الجنرال الذي وقعوا في قبضته كان يريدهم فرقةً عسكرية ليذبحهم، ليعدمهم، وليس فرقةً موسيقية لا يعرف ماذا يفعل بها. لكن صوت الموسيقا سرعان ما ينبعث من أعماقه، فيخالف أمرًا عسكريًا من قيادته، ولا يعدمهم، ونعيش صراعًا غريبًا ما بين قائدين: واحد من أجل موسيقا يعزفها فتبعث الحياة، وواحد من أجل نارٍ يشعلها فتبعث الموت! ولأول مرةٍ يفعلها الجنرال، فتدخل الموسيقى قلبَه، ويقوم حوار ما بين القائدين، يطلب فيه الجنرال من الفنان أن يعزف لجنوده الموسيقا التي كان سيعزفها لعسكر بلاده، فيرفض الفنان غير آبهٍ بما سيفعل به الجنرال. غير أن الحوار يستمر بينهما إلى أن يصل الجنرال إلى حالةٍ/ لحظةٍ يرى فيها أنه أيضًا قائد لأوركسترا، لفرقةٍ موسيقية، لكن الآلات تختلف، وعليه أن يستبدلها. فيوقف الهجوم العسكري على جيش أعدائه، ليس خيانةً، بل لأنه سخط على الحرب التي تنشر الرعب والدمار والموت، فيما الموسيقى تبعث على التأمل والتفكير، وتنشر السلام والأمان، وفوقها يرفض الجنرال، بل من الطبيعي أنه لن ينفذ حكم الإعدام بالفرقة الموسيقية لجيش العدو، التي صار أفرادها أسرى فرقته العسكرية، إنها الموسيقى التي من نطافٍ، من نغماتٍ مقدسة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق