سلايدرقضايا المجتمع

الحركات الاجتماعية والتغيير المنشود

انتشرت الحركات الاجتماعية في العقود الأخيرة انتشارًا كبيرًا، واتسع نطاق عملها ودورها وتأثيرها، وذلك لعجز المؤسسات التقليدية، وعدم استطاعتها مواجهة أشكال محددة من المخاطر التي تهدد المجتمعات البشرية على اختلافها، كقضايا البيئة والتسلح النووي، والنتائج المترتبة عن العولمة والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، والتطرف والعنف والاستبداد، وهي مشكلات لا تستطيع الدولة الرسمية التقليدية أن تقوم بمهماتها تجاهها، وهذا ما يُناط بالحركات الاجتماعية كمكمل أو بديل للسلطات التقليدية في القيام بأدوارها الوظيفية المفيدة للفرد والمجتمع، وغالبًا ما يكون الغرض من هذه الحركات إفساح المجال أكثر للحقوق المدنية، ونشهد في مقابلها حركات أخرى مضادة تسعى للحفاظ على الأوضاع الراهنة، يمكن أن نجد هذه الحركات المضادة في مجالات مختلفة، منها الحركات الدينية، ولكن الحركات الاجتماعية تمثل الشكل الأكثر فاعلية وقوة وتأثيرًا في المجتمع (1).

يتمثل المعيار الأساس للحركة الاجتماعية في أنها تهدف إلى إحداث تغييرات أساسية في النظام الاجتماعي، بما يعني أن الحركات الاجتماعية تنظم الأفراد والموارد والأفكار لإحداث التغير الاجتماعي. ويؤكد هذا التصورَ كثيرٌ من التعاريف (2).

تعاريف: هناك مجموعة كبيرة من التعاريف للحركات الاجتماعية نذكر بعضها:

يعرفها تشارلز تيلي بأنها “سلسلة من الأداء المتواصل والمعارضات والحملات التي يقوم بها أشخاص عاديون لرفع مجموعة من المطالب” (الحركات الاجتماعية مقاربة سوسيولوجية (3). ويعرفها زالد (zald) و(ash) بأنها “محاولة هادفة وجمعية، يقوم بها عدد من الأفراد لتغيير الأفراد أو النظم والأبنية المجتمعية”. ويعرف هاين (hine) وجيرلاتش ((Girlach الحركة الاجتماعية بأنها “جماعة من الأفراد تنظم بهدف إحداث شكل من أشكال التغيير الشخصي أو الاجتماعي، ويشكل هذا الهدف دافعًا ومحركًا من الناحية الأيديولوجية، يلتزم به الأفراد الذين يشاركون في تجنيد آخرين، وينتشر تأثيرهم معارضًا ومقاومًا للنظام القائم”. ويعرفها جينكينز وفورم بأنها “الجهود المنظمة الهادفة إلى إحداث تغيير اجتماعي”.

ويمكن الإشارة إلى أن مقاربات مفهوم الحركة الاجتماعية تكشف عن أربعة عناصر هي:

  • شبكة من التنظيمات.
  • على أساس هوية جمعية مشتركة.
  • تعبئة الأفراد للمشاركة في أفعال وأنشطة غير مألوفة وغير تقليدية.
  • تحقيق أهداف اجتماعية أو سياسية معينة(4).

الحركات الاجتماعية ومراحل التطور التاريخي

في التاريخ، ربط عدد من الباحثين ظهور الحركات الاجتماعية بمجموعة من الأحداث التي عرفتها أوروبا، خاصة تلك الاحتجاجات العمالية ضد المكننة، وذلك مع بدايات الثورة الصناعية، وظهور مجتمع ليبرالي ما بين القرنين 18 و19. وقد اتسمت هذه الاحتجاجات العمالية بالعنف، إلا أن التطور الفكري والثقافي للمجتمعات الأوروبية، إضافة إلى توسع ظاهرة المدن، نتيجة بزوغ مجموعة من المدن الكبرى، أدى إلى ظهور إطارات مدنية، تتبنى اشكالًا نضالية أقلّ عنفًا وتركز على السلمية، للتعبير عن مطالب بعض الفئات الاجتماعية، مثل الجمعيات والنقابات (5).

ومن بين الحركات الاجتماعية، نشير إلى تلك التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر في بريطانيا لإبطال العبودية، يقول يوجين بلاك: عام 1963 “أصبح التأثير السياسي الشعبي المتوسع ممكنًا بفضل الجمعيات”، فالمنظمة السياسية البرلمانية الحديثة هي نتاج أواخر القرن الثامن عشر، ولا يمكن أن يكتب تاريخ الإصلاح من دونها، ولقد كانت الحركة الوثيقة هي حركة التجمع الأولى للطبقة العاملة في العالم، وأنشئت للإصلاح السياسي بين عامي 1838 – 1848، واعتبر ميثاق 1838 البيان الرسمي لها، وقد قاد مارتن لوثر كينج حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وهي تعدّ من أشهر حركات القرن العشرين، وقد استطاعت إجراء كثير من التغييرات، من خلال إدخال أو تعديل بنود في الدستور، ومثل ذلك ما حققته الحركات النسوية في ميادين المشاركة السياسية، وفي مرحلة ما بين الحربين، ظهرت العديد من الحركات مثل حركات التحرر من الاستعمار، حركة حقوق المرأة، وحركة الحقوق المدنية، وحركة السلام، وحركة البيئة… إلخ، وغالبًا ما أُطلق عليها اسم “الحركات الجديدة” (6).

مراحل تطور الحركات الاجتماعية: يمكن تقسيم تاريخ الحركات الاجتماعية إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: (ما قبل 1968) وظهرت فيها اجتهادات منظري الحركات الجماهيرية، هذا من دون إغفال التراث المتصل بالمجتمع المدني، والصراع الطبقي العائد إلى كل من هيجل وماركس، فضلًا عن نتاجات منظري السلوكيات الجمعية المتأثرة ببارسونز.

المرحلة الثانية: (ما بين 1968 – 1989) وشهدت ظهورَ الحركات الاجتماعية الجديدة متمثلة بصعود الحركات الطلابية في أوروبا، وحركات السود في الولايات المتحدة الأميركية المطالبة بحقوقها، وغيرها من الحركات مثل الحركات النسائية والحقوقية والبيئية التي دفعت الباحثين إلى الاهتمام بزوايا جديدة ودوائر أوسع من الاهتمام.

وكانت حركة الشباب بأوروبا عام 1968 قد شكلت لمرحلة جديدة، طرحت فيها لأول مرة مطالب سياسية، لم يستطع أحد أن يصنفها ضمن المطالب اليسارية.

وبعد ذلك، انتقلت هذه الظاهرة إلى العالم الثالث، وأميركا اللاتينية بصفة خاصة، وأخيرًا انتشرت هذه الحركات، وترسخت جذورها على نحو ملحوظ في آسيا، واللافت للانتباه أن الحركات الاجتماعية الجديدة في طبعتها الآسيوية واللاتينية ولدت وتحركت في أطر وسياقات جديدة، في خضم حركة مطلبية اقتصادية أو مهنية، تخص بعض الفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في تحقيق هذه المطالب.

المرحلة الثالثة: وتتعلق بالسنوات الراهنة، وهي تمتد من عام 1989 إلى الوقت الراهن، وقد عرفت هذه المرحلة تطويرًا للمقاربات النظرية بهدف فهم التحولات التي تعرضها دينامية الحركات الاجتماعية، وارتباطًا بعولمة الحياة الاجتماعية التي أكسبت الحركات الاجتماعية أبعادًا جديدة، بظهور أنماط وأساليب وأنواع جديدة، منها تلك المناهضة للعولمة والليبرالية الجديدة، هذه الحركات الأوروبية والعالم ثالثية سعت لتحقيق مطالبها بعيدًا من أطر الأحزاب السياسية والنقابات، في العديد من هذه البلدان.

أنواع الحركات الاجتماعية: حركات إصلاحية – راديكالية – قيمية – معيارية – الخلاص – السلام – العنف (الحركات المسلحة) حركات تحويلية (7).

ختامًا يمكن القول إن الحركات الاجتماعية لها أهمية قصوى في الظروف الراهنة، وبخاصة بعد انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لأن طريقة التواصل الاجتماعي باتت أكثر سهولة ويسرًا مما كانت عليه الحال في السابق، ويمكن لحركة اجتماعية ما أن تتجاوز حدود الدولة في عملها، حيث يكون لها مكاتب وفروع في عدد من دول العالم، ويمكن للأعضاء أن يكونوا من بلدان مختلفة، ويعملون من أجل قضية مشتركة.

______________

الهوامش

  • رمضاني صوراية – علم الاجتماع مقاربة سوسيولوجية –

قسم علم الاجتماع والديموغرافيا، جامعة الجزائر.

https://revues.univ-ouargla.dz/index.php/numero-24-ssh/3288-2016-11-29-15-11-33

  • د. سيد فارس الحركات الاجتماعية وممارسة التأطير. مقاربة إنثروبولوجية – عالم الفكر العدد 170 – أكتوبر/ ديسمبر 2016 – ص160.
  • رمضاني صوراية – مصدر سابق.
  • د. سيد فارس مصدر سابق.
  • أحمد العكيدي – الحركات الاجتماعية آلية التغيير الديموقراطي – موقع أنفاس الإلكتروني 22/ 3/2018.
  • رمضاني صوراية مصدر سابق.
  • رمضاني صوراية مصدر سابق.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق