أدب وفنون

“الخائفون” روح تتعذب في جسد مقفول

“فجأة تفور الذكريات وترتطم ببعضها، تبرطع في رأسي وتغلي، وأنا أتحوّل إلى روح تتعذب في جسد مقفول”. (ص45) تقول سلمى في الفصل الثاني من رواية (الخائفون) لـ ديمة ونوس، وهي ليست مجرد ذكريات شخصية، تلك التي تتحدث عنها، بقدر ما هي ذاكرة تتشابك في ظلها صور الخاص والعام، وتختصر عقودًا من زمن أسود، تبلورت في داخله معالم الرهاب الجمعي الذي استوطن قلوب السوريين، في بلد تحكمه منظومة الاستبداد والفساد، وتديره أجهزة الاستخبارات. إنها الذاكرة المغيّبة والمسكوت عنها التي بدأت تتحرك وتنساب عبر آلاف الشهادات الحية والنصوص الأدبية، منذ أول صرخة احتجاج أطلقتها الثورة السورية.

لقد شبع السوريون من استحقاقات الموت التي فرضتها عليهم الدكتاتورية الحاكمة، ويريدون حياة كاملة يستحقونها، وهذا لن يحصل إلا بتجاوز ذاكرة خوفهم، ورواسب القمع التي صاغت هوية انتمائهم إلى وطنهم. معادلة معقدة جدًا، تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتجعل المقاومة على مستوى الذات الخائفة، تعادل تلك التي تدور رحاها على المستوى العام، وكان خيار الكاتبة السورية ديمة ونوس منطقيًا وموفقًا، حين رأت أن تبدأ تفاصيل روايتها في عيادة الطبيب كميل للعلاج النفسي، على لسان إحدى مريضاته سُليمى التي استهلت الحديث بفعل الماضي الناقص كنتُ.

وسليمى رسامة تنحدر من مدينة حماة ومن زواج مختلط، أمها السنيّة شهدت مقتل أبيها وأخيها في مجزرة عام 1982، أما والدها الطبيب العلوي فقد قرر الهروب أثناء المجزرة والانتقال مع أسرته إلى دمشق. افتتح عيادة في العاصمة، ووضع صورة الرئيس خلف مكتبه، وعاش صامتًا وخائفًا، إلى أن ابتلع السرطان جسده وفارق الحياة. سايرته زوجته في خيار الفرار، ورعته في أثناء مرضه، لكنها لم تغفر له يومًا خيانته لطائفتها، وكانت سعيدة وفخورة بولدها فؤاد، الأستاذ في معهد الفنون المسرحية، حين شعرت بمشاركته في التظاهرات إلى أن اختفى في سجون النظام، حينئذ لاحظ الجميع أنها شاخت دفعة واحدة.

سليمى لم تشهد المجازر، ولم تدخل السجون، لكنها ورثت الخوف من القتل والتعذيب في ذاكرتها وجيناتها، إرث كبر معها، وتناسل في أشكال عدة من القلق والكآبة، حرمتها القدرة على النضج والتحكم في حياتها، ونغصت ليلها بالكوابيس، منذ أن غادرها والدها الذي تحب، وهي في سنوات المراهقة، وبقيت عالقة في ذاك الفراغ الممتد ما بين الإحساس بالفقد والإحسان بعدم الأمان، حتى بعد أن التقت (نسيم) في عيادة كميل، وأُغرمت به، وهي في أواخر عشرينياتها.

نسيم الطبيب الحمصي الوسيم، والروائي الذي يكتب باسم مستعار خوفًا من الخوف، سوف يغادرها هو الآخر إلى ألمانيا، بعد خروجه من المعتقل، وسيترك لها مفاتيح منزله في دمشق، حيث ستعثر فيه على ورقة نعي كتبها باسمها، وقبلها سوف يرسل إليها بمخطوط روايته الرابعة التي كتبها في منفاه، التي ستبدو لها أقرب إلى سيرة ذاتية لامرأة تُدعى سلمى، مصنوعة من الخوف مثلها، وتشبهها إلى حد بعيد.

لماذا سرق سيرتها، ولم يكتب عن الثورة؟ تتساءل في سرها، وتتذكر أنه قال لها: “إن الكتابة عن ثورة لم تحصل أمر ممكن، أما الكتابة عن ثورة تحصل أمام أعيننا وفي حيز أحاسيسنا كلها، فهو أمر صعب للغاية، ثم إن تجاهل ما يحدث والكتابة عن موضوع لا علاقة له بما نعيش، ليس سوى محاولة يائسة للانفصال عن الواقع” (ص116).

منذ أن تنفتح صفحات المخطوط، يدخل السرد في تقنية الرواية داخل الرواية، وينقسم المبنى الروائي إلى مسارين مستقلين ومتكاملين، أو سيرتين متوازيتين بضمير المتكلم، تتمايز الواحدة من الأخرى أن سيرة سلمى تأتي دومًا بالخط الغامق، تحت عنوان أوراق أو دفاتر نسيم، وإلى ذلك فإن طفولة سلمى وظروف نشأتها تشبه تلك التي عاشتها سليمى، فهي الأخرى ولدت من زواج مختلط، توفي والدها مبكرًا بمرض السرطان قبل أن تكمل سنتها الرابعة عشر، وترك رحيله في روحها شرخًا كبيرًا، سوف يقودها لاحقًا إلى عيادة كميل.

تضعنا الكاتبة أمام شخصيتيّن انثويتيّن مثيرتيّن للاهتمام، تتشابهان لدرجة الالتباس من حيث النشأة والأحاسيس والمخاوف والبنية العاطفية الهشة، وتختلفان بطريقة التقاط التفاصيل ولغة السرد وخصوصية التعبير. هل هما امرأتان، أم واحدة في تجربتها الحسية الباطنية حينًا، ثم الذهنية العقلانية مرة أخرى، أم هو فصام الشخصية، حين ترفض الروح الانفصال عن مكان الولادة والذاكرة المريرة؟!

الرواية لا تجيب القارئ، بل تستكمل فصولها عبر نمطين متباينين في أسلوبية المعاينة والخطاب السردي، يشتركان في الاعتماد على تقنية التداعي وتداخل الأزمنة والأمكنة، وبالحرص على تقديم المعلومة الحكائية في المكان المناسب والوقت الصحيح.

والد سلمى كاتب معارض، وهي وحيدته، عاشت بين معارفه وأقاربها الموالين والمعارضين من الطائفتين، ومالت إليهم، ومع بداية الثورة استطاعت أن تتغلب على خوفها، وتحسم أمرها باتجاه الحراك الشعبي، وتنتقل إلى بيروت، وتبدأ حياتها بالعمل في دار للنشر، فيما عجزت سليمى عن إبداء موقفها الصريح، وإيجاد مكانها في الحدث العام، وانقطعت عن الرسم تمامًا، لتبقى أسيرة الهامش وكوابيسها تعيش مع والدتها في دمشق.

سليمى تروي سيرتها، وهي في قلب أكثر الأحداث دموية في التاريخ السوري. تارة ترجع بذاكرتها إلى أيام الطفولة والمدرسة، وأخرى تمشي في الشارع أو تقود سيارتها، تدخل المقهى أو العيادة، تسافر وتعود، لكنها في كل الأزمنة والأمكنة، تعيش في ذاتها، غريبة عن العالم الخارجي، تراقب نفسها وتحاورها باستمرار، وتصف أدق أحاسيسها وردات فعلها، وفي لغتها تختلط التهيؤات بالوقائع والرغبات بالكوابيس. لغة كأنها تتسلل من منطقة اللاوعي، ولأنها كذلك فهي تحفل بالمفاجآت والمفارقات والغرائب التي تحمل القارئ على الدهشة، على خلاف سلمى التي تكتب سيرتها، وهي تعيش في الواقع غريبة عن نفسها، وتضع مسافة بينها وبين العالم الخارجي، كافية لتأمله بعقلانية وإعادة إنتاجه عبر مرشحات الوعي، بلغة هادئة تميل إلى التحليل والتفسير: “السعادة لا تنطبع في الذاكرة، ظلها خفيف وهش ومؤقت، ينجلي مرة واحدة أمام الحزن” (ص29).

سليمى ترسم خارطة الاضطراب الذي يموج في داخلها، وهي غارقة في نوبات الذعر نتيجة الوضع العام، وغياب الرجل من حياتها، بينما تضيء سلمى مساحة واعية من علاقة القبول والنبذ الاجتماعي، نتيجة اختلاف الطائفة، واختلاف الموقف من السلطة الحاكمة، تصف الإحساس بالغربة داخل الوطن، والحنين إليه في المنفى، تكتب عن الوحوش التي ظهرت بيننا بغتة، للدفاع عن ديمومة الطغيان، وعن القطيعة التي حدثت داخل البيت الواحد بين الموالين والمعارضين، والتهديدات التي تلقتها من أقاربها، بعد إعلان موقفها من للثورة، ومع تدفق السيرتين تتكامل وتتضح صورة القهر السياسي والاجتماعي في سورية الأسد، من منظور أنثى تجري في عروقها دماء السنة والعلويين.

* الخائفون: رواية في 176 صفحة قطع متوسط، المؤلفة: ديمة ونوس، لوحة الغلاف: محمد عمران، الناشر: دار الآداب، ط2، بيروت، لبنان 2018. وصلت إلى اللائحة القصيرة لجائزة بوكر العربية، وتُرجمت إلى لغات أجنبية عدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق