كلمة جيرون

من أفسده الدهر لن يُصلحه دستور

ينشط الجميع، سوريون وروس وإيرانيون وأميركيون، من أجل بدء عمل اللجنة الدستورية، التي ستضع دستور سورية، أو تُجمّله، أو ربما توقّع عليه وحسب، ليقولوا للسوريين بعدها إن محنتهم قد انتهت، ومأساتهم توقفت، وما عليهم الآن إلا الاطمئنان للمستقبل، والعودة إلى حضن الوطن لإعماره، والاستمتاع بالديمقراطية والحرية والعدالة.

كل هذا محض افتراضات يفترضونها، أو أوهام يزرعونها في عقول السوريين، أو خدع يخدعونهم بها، إذ لن يتحقق أي من هذا أو ذاك، ولن ينعم السوريون بأي نعمة حتى لو كان الدستور الموضوع حضاريًا، لأن المشكل هو في الطغمة الحاكمة، ذات البنية الأمنية الاستخباراتية الطائفية “التشبيحية” التي لن تلتزم مُطلقًا بأي دستور، وستعمل فوقه، وتُفرغه من مضمونه، وتُدمّر مفاهيمه ومرتكزاته، وستحتقره كما احتقرت طوال خمسة عقود كل ما يتعلق بسورية، دولة وشعبًا.

سيضعون دستورًا سوريًا نظريًا، يضم وثائق مستقبل سورية، يحكم ويرسم قوانينها، والشرائع التي سيستقي منها، ومستويات المحاصصة السياسية، وعلاقة العسكري بالسياسي، والتوازن الطائفي فيها، ونسبة الجندرة، والأطراف التي ستحكمها، وغير ذلك، من دون أن يكون هناك قوة ضاربة تضمن قبوله واعتماده وتنفيذه بدقة وشفافية مطلقة.

أي دستور سيُكتب -مهما كان سيئًا- لن يكون أسوأ من دستور 2012 المشؤوم، الذي وضعته الأجهزة الأمنية، ونَصّب رأس النظام ملكًا على البلاد والعباد، وسلّمه السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والعسكرية، إلا أن كل ذلك لا يُبرر أن يكون دستور جديد هو الحل، ولا حتى المدخل إلى الحل في سورية.

النظام السوري نظام باطني، سيوافق على الدستور، لكنّه لن يلتزم به، سيدّعي قبول المبدأ لكنّه سيضرب بالنتائج عرض الحائط، سيتظاهر بأنه يؤيد التغيير لكنّه واقعيًا سيستمر في استباحة الوطن والكرامة، كما هي الحال منذ خمسين عامًا ونيّف، وستستمر الأجهزة الأمنية في غيّها وبطشها، وستحتقر الدستور كما احتقرت دومًا القانون والشرع والمبادئ.

أصل الصراع في سورية هو صراع على طبيعة النظام الدكتاتوري القمعي الفاسد، الذي حوّل سورية إلى بيئة اجتماعية خطرة وانفجارية، وشوّه التكوين المعرفي للسوريين، وقضى على حاضر الشعب ومستقبله، وأعاد المفاهيم السياسية والاجتماعية والأخلاقية إلى مفاهيم بدائية وحشية، مفاهيم ما قبل الدولة، وعمّقَ التعصب القومي والإثني والعشائري في وعي السوريين، ونشرَ الموبقات والمحسوبيات وعمّم الطائفية، وهذا النوع من الأنظمة لا يستطيع العيش مع الدساتير، وسيتمادى ويستبيح وينتهك ويستهين، كما اعتاد دائمًا.

المنطق واحد لا ثاني له، أنه لن تصلح حال سورية إلا بإجراء تغيير سياسي قبل تغيير الدستور، أو بالتزامن معه، على أضعف تقدير، لأن مَن لم يُغيّره مقتل مليون من شعبه، لن يُغيّره دستور، ومن أفسده الدهر لن يُصلحه دستور، وعلى السوريين -بالرغم من ضعفهم وانكسارهم- أن يتشددوا بذلك، لأن إرادة الشعوب دائمًا أقوى من إرادة السجّان، ووسائل مقاومة الشعوب لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق