هموم ثقافية

الفعل الطاغي

“بكل معنى الكلمة”، تبدو هذه الجملة كالتقسيم على صفر، لا معنى لها؛ إذ لا يمكن لأي كلمة أن تحمل كل معناها، وأحد أسباب قصور المعنى، هو أن الكلمة، كما يقول السيميولوجيون: هي إشارة تدل على مدلول له مرجع في الذهن، والإشارة دائمًا تختصر من معاني المشار إليه. فإن كانت الكلمة كذلك، واللغة مجموع كلمات في أنساق معينة، فاللغة إذًا مجموعة من القصورات في المعنى، وبالتالي من المستحيل -كما يبدو- أن تعبّر اللغة عن المعنى الذي نريده بكل معنى الكلمة.

أحد أسباب قصور اللغة أيضًا، هو طبيعة اللغة نفسها ككائن زمني، فاللغة لا تظهر ككل مكتمل ذي معنى في لحظة واحدة، بل هي تركيب صوتي أو كتابي، تعبير رمزي (أو إشاري) في كل الأحوال، يحتاج إلى زمن كي يتم معناه، وهو زمن قوله/ كتابته، وزمن سماعه/ قراءته. نحتاج إلى زمن معين لقول جملةٍ ما أو لقراءتها. وهذا يفرض على اللغة نوعًا من التكثيف، بحيث نعبّر قدر المستطاع في أقل وقت ممكن، لذلك نستخدم في الحياة الكثير مما أود أن أسميه هنا “الأفعال الطاغية”، وهي تلك الأفعال التي تبتلع أفعالًا أخرى كثيرة، بل نحن في الحقيقة لا نستخدم إلا أفعالًا طاغية في حياتنا.

-ماذا تفعل؟

-ألعب الشطرنج.

قد تبدو جملةٌ بسيطة مثل “ألعب الشطرنج” جملةً واضحةً تامةً تحمل كل معناها، ولكن هل كل ما نفعله حين نلعب الشطرنج هو فعل اللعب فقط؟ لا، اللعب هو الفعل الطاغي، أما ما نفعله حقيقة في اللحظة التي نلعب فيها الشطرنج، فنحتاج إلى كتيب صغير كي نعبّر عنه كاملًا، لأننا أثناء لعب الشطرنج نفعل أفعالًا لا تحصى ربما، أفعالًا بيولوجية لا إرادية مثلًا، كالتنفس وإفراز اللعاب، أو أفعال الحواس، فنحن ننظر إلى الرقعة وأحجارها، ونشم رائحة (أو روائح) الهواء، ونسمع صوت الشارع، وغير ذلك من أفعال، لنقل إنها مرافقة دائمًا لأي فعل نقوم به. ثم هناك أفعال أكثر تجريدًا ترافق اللعب أيضًا، فنحن نتخيل، ونتوقع، ونفكر، ونحلل، ونفاجأ وننتظر… إلخ. أفعال أخرى كثيرة نقوم بها، ولا يعبّر عنها فعل “اللعب”، ولكنه قد يوحي بها فقط… وقد لا يوحي بها على الإطلاق. كل تلك الأفعال يطغى عليها فعل اللعب ليظهر وحيدًا في الجملة: ألعب الشطرنج.

يقع التعبير عن أنفسنا من خلال اللغة إذًا، في وضع مستحيل مضحك كما أظن، فلكي نعبّر عن أنفسنا ونتواصل ونتفاهم مع الآخر، نحتاج إلى الأفعال الطاغية، لأنها شرط من شروط اللغة، ولكن في الوقت ذاته، تقف هذه الأفعال نفسها في وجه تعبيرنا بشكل تام، عما نريده أو نفكر فيه. وهذا بدوره وضع مضحك آخر، فاللغة هنا هي وسيلة تفاهم وسوء تفاهم في اللحظة ذاتها، ولا يمكن أن تكون وسيلة تامة للتفاهم أبدًا، لأنها -حين تصبح كذلك- لن نحتاج إلى اختراع المجازات والتشابيه، ولا إلى اشتقاقات ومفردات جديدة، بمعنى آخر: ستصبح اللغة ثابتة، وهي بذلك تناقض طبيعة حياتنا المتغيرة باستمرار. وثبات اللغة يعني أن أحدَنا ميت، إما نحن أو اللغة، فالثابت الوحيد الثابت في الحياة حتى اليوم هو الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق