تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مؤتمر وارسو تسويق أجندات غربية بغطاء الحرب على إيران؟

على وقع تصاعد الأزمات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وتزايد أخطارها على منظومة الأمن والسلم الدوليين؛ تتأهب الدول الكبرى لإعادة النظر في نسج تحالفاتها العابرة للقارات، ولأن الولايات المتحدة الأميركية تعتبر نفسها صاحبة كلمة الفصل في العالم؛ قررت جمع حلفائها وأدواتها في المنطقة، لعقد اجتماع دولي في 13- 14 شباط/ فبراير الحالي، في العاصمة البولندية، بحضور لأكثر من 60 دولة، بهدف التباحث في القضايا التي تهدد أمن منطقة الشرق الأوسط. وبحسب وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، فإن دور إيران التوسعي سيكون على رأس المباحثات، إلى جانب عرض الرؤية الأميركية عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وعلى الرغم من سعي الولايات المتحدة لإظهار المؤتمر على أنه الأوسع في منطقة الشرق الأوسط، فإن العديد من الدلالات أسقطت هذا الاعتبار، بعد انخفاض سقف التوقعات الواضحة، ومقاطعة بعض الدول له، واكتفاء البعض بالحضور بمستوى دبلوماسي منخفض، الأمر الذي أثار تساؤلات عن أهداف المؤتمر وما الذي ترمي الولايات المتحدة له، خصوصًا أن عامل التوقيت ومكان عقد الاجتماع رسما طابعًا ودلالات رمزية تلامس العقيدة الأميركية.

الحاضرون الغائبون

عبر جهود ثنائية بولندية أميركية، تم التحضير للمؤتمر، إلا أن الآمال تبددت بين حاضر وغائب ومقاطع له؛ فإيران -عبر خارجيتها- اعتبرت وارسو ميتًا، ووصفته بأنه “سيرك أميركي” لن يفضي إلى أي تأثير في سياسات طهران، واستدعت القائم بأعمال السفارة البولندية، وفي الوقت الذي لبت فيه كل السعودية والإمارات ومصر والأردن وعمان وتونس والبحرين واليمن والكويت والمغرب، الدعوة، على مستوى وزاري، امتنعت السلطة الفلسطينية عن الحضور، بدعوى أن المؤتمر يهدف إلى خدمة المصالح الأميركية، فالتلميح الذي جاء على لسان كوشنر، بعرض بعض الأمور السرية عن (صفقة القرن) يشير إلى رغبة أميركية إسرائيلية الممثلة بشخصية بنيامين نتنياهو في استقطاب دول عربية، بهدف تصفية القضية الفلسطينية؛ ما دعا مسؤولين فلسطينيين إلى وصف المؤتمر بـ “المؤامرة الأميركية”.

على الطرف الأوروبي، امتنعت أوروبا عن إرسال المتحدثة باسمه فيدريكا موغور يني، بسبب الحساسية والتباين في المواقف بين الاتحاد الأوروبي وأميركا، بخصوص سياساتها تجاه إيران، فالمقاربة الأوروبية هنا تختلف، وعلى الرغم من وجود خلاف مع سياسة إيران التوسعية، فإن الاتحاد يتناقض بموضوع الاتفاق النووي مع واشنطن، فهو يرى ضرورة الحفاظ عليه، وإشراك إيران في جولات أخرى لإحلال السلام بدلًا من استفزازها، إضافة إلى استشعارهم بأن الولايات المتحدة تقوم بتوسيع فجوة الخلاف داخل الاتحاد الأوروبي، من خلال تقاربها مع الحكومة اليمينية في بولندا، وتماشيًا مع الاتحاد الأوروبي، رفضت الدعوة الموجهة لها، بذريعة أن المؤتمر يخدم مصالح أميركا فحسب، في مواضيع تراها ذات حساسية كالعلاقة مع إيران، كما أنها اعتبرت أن لن يكون لها دور في البيان الختامي بعد معرفتها أنه محصور بين أميركا وبولندا فقط.

دلالات مكانية زمانية

ليس من قبيل الصدفة اختيار أميركا العاصمة البولندية مكانًا للاجتماع؛ فالحكومة اليمينية على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، منذ انهيار “حلف وارسو” في خمسينيات القرن الماضي وسقوط جدار برلين 1991، حينها عملت أميركا على استقطاب الدول الأوروبية الشرقية، بهدف توسيع نطاق حلف الناتو، وكانت بولندا من الدول التي اختارت المعسكر الغربي. واعتبرت صحيفة (ذي ناشيونال) الأميركية أن اختيار واشنطن وارسو مكانًا للاجتماع يعود للعلاقة المتينة بين حكومة بولندا اليمينية مع الولايات المتحدة، كعلاقة تميزها من بقية دول أوروبا. كذلك عملت واشنطن في 2016 عقد مؤتمر الخاص بحلف الناتو في وارسو، لما تمثل لها من دلالة رمزية قوية ضد روسيا، وفي الوقت نفسه الحكومة البولندية ترغب في لعب دور إقليمي في الساحة الأوروبية، وتعزيز موقفها أمام موسكو، لذا فإن تأسيس أرضية مشتركة مع أميركا، وتقربها من دول عربية معادية لإيران، سيعطيها صفة اعتبارية على المستوى الدولي.

من الناحية الزمانية والتوقيت، كان متعمدًا أن يتزامن المؤتمر مع ذكرى الأربعينية لنظام الخميني، كرسالة تحذيرية دولية لصناع السياسة في طهران تُعيد الأذهان لحقبة الحرب الباردة 1979 وإحياء مؤتمر غوادلوب الفرنسي، حين قررت كل من أميركا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا الغربية إطاحة نظام الشاه، وعلى الرغم من أن الرسالة وصلت، فإنها بالجوهر لا تعني أن السياقات التاريخية شبيهة مع أحداث اليوم، ولا سيّما أن الولايات المتحدة أكدت أكثر من مرة أنها لا تسعى لإسقاط النظام في طهران، بل لتغيير سلوكه، وقد لا يتعدى سقف الطموحات رغبة أميركية في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، بصيغ جديدة لملفات الصواريخ البالستية والنشاط النووي.

مآلات وأبعاد

بالنظر إلى الإطار العام للمؤتمر والقضايا المطروحة للنقاش، وإصرار أميركا على وضع إيران العنوان الأبرز له؛ يبدو للوهلة الأولى أن الاجتماع سيكون ضربة قاصمة لإيران، ولا سيما أن اقتصادها بات على حافة الهاوية، وبحسب تقرير أميركي صدر عن (معهد سياسات الشرق الأوسط) فإن الريال الإيراني فقد 70 بالمئة من قيمته، مع ارتفاع مستوى البطالة وظهور طوابير من السكان للحصول على الغذاء، والأهم أن 16 مليار أنفقتها إيران على ميليشياتها منذ 2012 لسورية وحدها 4 مليارات، فالرهان الأميركي يصبّ على انهيار الوضع الاقتصادي الذي سيقود إلى إحداث تأثير في سياسة إيران الخارجية. وقد نظر رئيس مركز الدراسات الإيراني في لندن علي نوري زادة إلى المؤتمر بأن ثمة قرارات مهمة ستخرج عنه بما يتعلق بإيران، على صعيد مواجهتها ونشاطاتها في المنطقة، لكن مسؤولين آخرين لم يعولوا على هذا المؤتمر، وشككوا في قدرات واشنطن ونجاحها في التوصل إلى نتائج مهمة تؤدي إلى عزل إيران، فالمؤشرات التي ظهرت تشير إلى مواقف أوروبية حذرة من تصعيد حالة العداء العلنية مع إيران.

لذا ليس من الواضح مدى الجدية التي ستظهر مع العناوين الفضاضة للمسائل المطروحة، ناهيك عن ملفات أخرى ستكون حاضرة بقوة: اليمن وسورية وما رافقهما من وضع إنساني متفاقم، وصولًا إلى الأزمات الدولية وما يتبعها من مُهددات نووية وتصاعد التسليح والحروب السيبرانية، وقد كانت الأمم المتحدة المسبب الرئيس لكل تلك الأزمات وساهمت في تعاظمها.

الخلاصة: ما بين طموح عربي إلى إبعاد شبح إيران، ورغبة إسرائيلية في تصفية القضية الفلسطينية، وسعي أميركي لتوسيع حلفائها لمواجهة نفوذ روسيا والصين؛ ستبقى إيران الشماعة الكلية التي يعلق عليها الجميع مبرراتهم لتمرير أجنداتهم الخاصة، على حساب ثروات الشعوب في المنطقة، ومن أجل ذلك ستبقى إيران غير مكترثة لهذه المؤتمرات، طالما أنها تعلم يقينًا أنها حليف قوي لأميركا منذ 1979 التي تعهّد الخميني آنذاك بالحفاظ على مصالحها في المنطقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق