تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الثوابت والمتغيرات في قمة سوتشي

بالتزامن مع انعقاد اجتماع وارسو في بولندا بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ترأست موسكو على الطرف الآخر مؤتمر سوتشي بحضور تركيا وإيران، وهو المؤتمر الذي عوّلت عليه تركيا بشدة، لانتزاع ضوء أخضر في تنفيذ المنطقة الآمنة، والحفاظ على الأرضية المشتركة في اتفاق إدلب، لكن الآمال بقيت معلقة، بربط موسكو وإيران الجهود التركية بالتطبيع مع النظام السوري. ومن خلال البيان الصحفي، اتضحت مواقف الحلفاء في الملفات الخلافية والمشتركة أكثر.

تقارب في المواقف اختلاف في النيّات

بخلاف ما جاء في البيان الختامي للقمة، من اتفاق جميع الأطراف على تعزيز الاستقرار في سورية ومكافحة الإرهاب والدفع بالعملية السياسية؛ فقد كان الموقف الروسي الأكثر حدةً وتصعيدًا، بعد إعلاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نبرةَ اللهجة السياسية، حيث شدد على المرحلية المؤقتة لاتفاق إدلب، وعلى أن إدلب لن تكون محمية للإرهابين، وأن صبره بدأ ينفد، وبالمقابل أشاد بجهود أستانا في عملية تشكيل اللجنة الدستورية، قائلًا إن القائمة التي ستشارك في لجنة صياغة الدستور السوري اكتملت تقريبًا، وفي ما يتعلق بالمنطقة الآمنة، ردًا على المطلب التركي لها، قال إن الأمر يحتاج إلى موافقة الأسد.

الموقف الإيراني كان مسايرًا للموقف الروسي؛ حيث شن الرئيس روحاني هجومًا على (جبهة النصرة) وادعى أنها تسيطر على 90 بالمئة من إدلب، وطالب بعدم إخراجها من مأزقها. وعلى صعيد آخر أشاد بالتعاون مع روسيا وتركيا في تحقيق الاستقرار في سورية، مطالبًا باتخاذ خطوات سريعة في إعادة الإعمار وعودة اللاجئين. وكان لافتًا أن يعرض على تركيا لعب دور الوسيط في التطبيع مع حكومة دمشق، بينما شدد الرئيس أردوغان على سحب السلاح من يد الإرهابيين، وعلى حماية المدنيين في إدلب والحفاظ على اتفاق سوتشي، وطالبَ أميركا بالانسحاب من سورية، معتبرًا أن ذلك يمهد لإنهاء الحرب في سورية وتحقيق السلام، أما المطلب الأهم فكان حديثه عن فتح المجال الجوي أمام طائراته.

مقايضات معطلة

المواقف الحالية أفرزت متغيرات جديدة على صعيد التصريحات السياسة، من دون تحصيل أي مكسب سياسي لجميع الأطراف. والسبب الأول أن اللاعب الأميركي كان غائبًا حاضرًا عن القمة، فمن وارسو أعلن نائب وزير الدفاع الأميركي بالوكالة مايك بنس، نيّة أميركا نشر قوة مراقبة شمال شرق سورية. وتفسير ذلك أن الكلمة الفصل لملف شرق الفرات والمنطقة الآمنة ستكون بيد واشنطن، ولن تخرج من سوتشي، وهو ما دعا الرئيس بوتين إلى التشكيك في جدية الانسحاب الأميركي من سورية. ومن خلال التمعن بالموقفين الروسي والإيراني؛ يتبيّن أن المتغير الوحيد هو وجود نية روسية لمقايضة تركيا، على غرار ما جرى سابقًا في ملفات حلب ودرع الفرات وعفرين، لكن المقايضة اليوم تختلف من حيث نيل استحقاق سياسي أخير وشامل، مفاده إعطاء موسكو لتركيا الضوء الأخضر لإنشاء المنطقة الآمنة والحفاظ على الوضع في إدلب، مقابل قبول تركيا التطبيع مع النظام السوري وعودة العلاقات على المستوى الرئاسي، والسماح للنظام مستقبلًا بملء الفراغ في مناطق شرق الفرات غير المشمولة في تصور المنطقة الآمنة، وقبول تركيا بشكل اللجنة الدستورية من أجل ممارسة الضغط على المعارضة، للمثول تحت سياسة الأمر الواقع.

وما يعزز نيّات بوتين عدة اعتبارات: أولها رغبة بوتين في ضمان الاستقرار في سورية وعدم عودة الأعمال العسكرية، ودفع العملية السياسية إلى الأمام من أجل نيل المكاسب السياسية كحصيلة عن مكاسبه العسكرية السابقة، إضافة إلى رغبته في إيجاد شرعية دولية لوجوده في سورية، وعلى الرغم من أنه يلعب دور الوصي والكفيل لمحاربة الإرهاب فإنه يعلم أن وجوده في سورية غير شرعي، ولا يريد تكرار الحالة الأوكرانية المستعصية مع الغرب في ملف شبه جزيرة القرم، ولذا نراه يحاول الإسراع في عملية إطلاق عمل اللجنة الدستورية، والضغط على واشنطن وحلفائها لرضوخها للأمر الواقع. ومن هذا المنطلق يحاول بوتين الحفاظ على جدار أستانا مع تركيا وإيران كحلف قوي أمام واشنطن، وهو يعلم يقينًا أن الرئيس التركي -وإن نال موافقة أميركا على إنشاء المنطقة آمنة- سيبقى عاجزًا عن إنشاء تلك المنطقة دون موافقة موسكو. وإزاء ذلك رسم الرئيس بوتين ملامح المقايضة التي واجه بها الرئيس التركي، الذي بدا هذه المرة في موقف حرج وصعب بمواجهة موقف متصلب روسي إيراني، والذي وضع كامل ثقله لانتزاع ضوء أخضر روسي، في موضوع إنشاء المنطقة الآمنة، لكنه لم يحصل على أي ضوء من موسكو، علمًا أن القرار النهائي هو بيد الأميركيين، وليس بيد موسكو، والمقصد هنا أن موسكو قادرة على عرقلة أي تفاهم تركي أميركي منفرد في تنفيذ المنطقة الآمنة، عبر أوراق ضغط في الميدان تحول دون تحقيق ذلك، من أجل ذلك طالب الرئيس التركي بفتح المجال الجوي لطائراته، في إشارة إلى تأكيده امتلاكه قدرات على محاربة الميليشيات الكردية وحده في شرق الفرات، لمنع حدوث أي فوضى، بمعنى أدق: أراد أردوغان انتزاع ضوء أخضر روسي للتحرك منفردًا، وقد يكون المقابل تقديم تنازل في ملف اللجنة الدستورية، على اعتبار أن أنقرة تملك تأثيرًا على المعارضة، لكن موسكو ربطت كل شيء بالتطبيع التركي مع النظام.

أما الرئيس روحاني فكان وجوده مجرد إسناد للموقف الروسي، بهدف استثماره في مواجهة أزمات طهران الداخلية والخارجية مع واشنطن، فإيران تدرك تمامًا مدى تأثير العامل الروسي في منطقة الشرق الأوسط، بعد الإنجازات التي حققها بوتين في السنوات الأخيرة، على الصعيدين الدولي والإقليمي. ومن هنا أكدت إيران على موقفها السابق بضرورة الأعمال العسكرية في إدلب، وإعادة ما تبقى من جغرافية إلى كنف النظام السوري.

نتائج

بالمحصلة؛ لا وجود لأي ضوء أخضر في إنشاء المنطقة الآمنة، ولا في ملف منبج، وليس هناك جرأة روسية على نسف اتفاق سوتشي المدعوم من أميركا وأوروبا، والسبب أن الغائب الحاضر عن المؤتمر يملك مفاتيح الحلول، خصوصًا في ملف شرق الفرات، فالقرار الأميركي في الانسحاب من سورية ما زال معطلًا، وقد أحدث ردة فعل عكسية بتعزيز الوجود الأميركي في الحدود العراقية السورية، كما أن واشنطن ما زالت تدرس خيارات تشكيل قوة صلبة مع حلفائها لملء الفراغ بعد انسحابها، لمنع تعاظم أي نفوذ روسي في المنطقة، كما أنها تملك كلمة الفصل في اللجنة الدستورية، ومن دونها لن يكتب للجهود الروسية أي نجاح. وعلى ذلك؛ يمكن القول إن قمة سوتشي لم يكتب لها النجاح، بل إنها عكست تمترس الأطراف والتفاهم حول مواقفهم المتصلبة، في انتظار قمم جديدة أخرى، وإلى ذلك الحين سيستمر الشد والجذب والاستفزاز الروسي الإيراني والسوري (النظام)، لتركيا في ملفات إدلب وشرق الفرات، وقد تحمل هذه الاستفزازات في طياتها دفع موسكو النظام وإيران، بمساندتها الجوية، إلى شنّ عمليات عسكرية محدودة، في محيط إدلب وجسر الشغور.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق