هموم ثقافية

بيان استقالة

أنا كلب نازح في خواء المسرح، أجلس كل يوم مع خساراتي، أرتّب أحوالي في الكتابة، لتولد شخصيات العرض القادم في رأسي، أشكّلها من أزمات العصر الخانقة، وأهبها واقعية غير واقعية جدانوف، ثم أدعوها إلى النزول في حوض الورق، لتتكاثر وتموت في مقابر الكواليس، حين تُزَار وهي تُشَاهَد فيما بعد، أثناء العرض.

كلّما صفّق الجمهور؛ ازددت رغبة في الموت، ذلك أنها مالت في اتجاه الأفول، حلّت في أجساد ممثلين خاسرين ومضت معهم، وكلّ ذلك الجمهور يتبعهم، يكتب عنهم في الجرائد، ويهبهم زجاجات النبيذ في محفل الكرنفالات، بينما يتنفسّون مستحقاتهم المالية في لقاء بذيء مع المنتج، مقابل ما فعلوه بأبطالي الذين سُجِنُوا في أصقاعهم.

أنا كلب نازح في خواء المسرح، أجلس كلّ يوم مع قهوتي، لأتأمّل سير الكوسموس، وأستنطق الحجر، وباسم الدراماتورجيا، أزيح نظرية الفوضى بإبرة النسيج، فينشأ النصّ، وسلالم الأحداث، وسلاسل البنية، فأرى أبطالي: من ماردوخ إلى جلجامش، ومن جلجامش إلى مناحات الفراعنة حول الإله أوزوريس، ومنه إلى دموزي، ومن دموزي إلى هاملت، ومنه إلى السؤال عن الجدوى من اقتباس فاوست، ومنهم جميعًا -حتى الذين نسيتهم وأنا أكتب بيان الاستقالة هذا- إلى جمالية الهدم، أو لنقل جمالية التحويل: حيث ثمّة السؤال عن ما بعد التطهير، وما بعد التغريب، وما بعد الحداثة، وصولًا إلى العود الأبدي، حتى إذا ما انتهيت، أغلقت نوافذ رأسي كي لا تهرب الفكرة.

– يا روعة الـ ما قبل الذي يقوّض دائمًا تلك الفكرة القائلة بإنزال لفظة الـ ما بعد في سياق راهننا الحالي/ يدمّرنا العود الأبدي لا محالة)، هكذا يجب أن أغلق نوافذ رأسي، هل تعرفون لماذا، يا أحبّائي الذين تاجروا حتّى بالحزن؟ لأنّ الـ ما بعد الذين تتحدثون عنه أوقعنا في فكرة العودة إلى قدم القديم، فاقتربوا كي نصحّح مسارات الحضارة الإنسانية برمّتها اقتربوا، إنّنا جميعًا لا شيء ولا شيء أمام حكمة المعنى.

وعمومًا، أنا كلّما التقيت بمُخرج أو منتج أو ممثّل، صفّق لي وادّعى أنّي أقربهم إليه، حتى إذا ما رميته بواقعية الجنون، رماني في سلّة مهملاته، ومضى يبحث عن كلب آخر، نازح في خواء المسرح، كي يمتصّ من دمه ما يريد، وما تريد له جشاعة السوق.

أنا سليل الخسارات، أحمل ما تبقّى من وحي ديونيسيوس على ظهري، وأشقّ فلوات المسرح. كلّما تقدمت خطوة؛ أصابتني مطرقة ربّ الانتظام على ركبتي، كي أسقط في أوّل الطريق، ويطعنني أوّل رفيق، آخر صديق: أبناء المغالطة التاريخية الكبرى، لا لشيء إلا ليظل الآخرون أسيادًا في رحاب المركزية الثقافية، وكي يظل العبيد جوقة لهم.

كلّما كتبت شيئًا عن قدم القديم، عن أرسطو كيف أُسْتُنْبِتَ في صالونات الأرستقراطيين، عن التراجيديا كيف أُسِرَتْ مثل جارية في القاعات، عن أفلاطون الذي غار من الشعراء فطردهم من مدينته، عن نسبية أينشتاين وأفول المطلق، والبنيوية، إلا جاءت طعنة أخرى: كثيرًا ما صرت أنساني، ولم أعد أصحو إلا على جوع، أما أبطالي فيضحكون ساخرين منّي، إنهم أولئك الممثلون، والمخرجون الذين وهبهم التاجر غُمْرًا من الدولارات، بينما وهبني جليده نسيانُ النسيان، وعمومًا، يا رفقتي الذين عرفتهم في الحانات والمسارح، أنا أيضًا قرّرت نسياني.

أنا هذا الكلب، سليل الخسارات، كان بإمكاني أن أكذب عليكم، أن أخفي وقاحتي ونيكروفيليتي الملفّعة بغير قليل من الأيروسية الدائمة، لم أقرأ الكتب الضخام، ولست مسرحيًّا، ولا فارسًا يشقّ بيد الكلام ويحرث اللغة، ولا شاعرًا يبحث عن حرف جديد في الأبجدية، ولا مُخرجًا يخلخل الرّكح بأقدام الممثلين، ولا دراماتورج يخيط خرق الأحداث بعيدًا عن جمالية سائدة، ولا باحثًا يفكّك تفكيكية دريدا، ولا فيلسوفًا يعيد نحت المفاهيم مثل جيل دولوز، ولا أنثروبولوجيًا يعود إلى طقس المدى مثل ليفي شترواس، ولا شيء لا شيء لا شيء.

كان بإمكاني أن أكذب عليكم، ولكنّي الآن أعترف، أنا رجل عاهر، كلّما مرّت امرأة من أمامي؛ اخترعت بطلًا جديدًا في نصوصي، لتكون أوراكها الركح، وأنينها موسيقى العرض، وتفاصيل النزول من شفاهها إلى سرّتها مسارٌ دراميٌّ، وعرقها المشتهى زيتٌ يشعل السّراج بضوء المخاتلة، كي تهتزّ السينوغرافيا في الكشف، وملابسها الداخلية ذروة الصراع، وقصيدتي لها نصّ العرض، أما رحمها فمستودع كل الجماليات في نواميس الإخراج.

كان بإمكاني أن أكذب عليكم، ولكنّي الآن أعترف، أنا هذا المريض، الملعون، المطارد، المنبوذ، الأعزل: لم أقرأ لأرسطو، ولا لأسخيليوس، ولا لبارميندس، ولا لشكسبير، ولا لبريشت، ولا لجروتفسكي، ولا لمايرهولد، ولا لآرتو، ولا لباربا، ولا لأحد آخر. ولكني كلّما سمعت أحدًا منكم يحاور بشأنهم، انتابني القرف، وتملّكتني رغبة هائجة في ركله على مؤخّرته، ولا تسألوني لماذا، أنا أطرح أفكاري بعناد ولا أبحث لها عن مبرّرات، ألم يقل جدّي نيتشه “إنّي أكتب بلغتي الخاصّة”؟ نعم، أنا لم أقرأ لهم، فمنذ أن تَحَرْكَشْتُ في الولادة، وقذفتني أمّي في كوم من التبن، قيل إني غنوصيّ. كلّما سحبت كتابًا لأحدهم؛ وجدت نفسي في أصقاعه. أنا نبيّ الأنبياء، “شكّاكٌ وهدّامٌ”، رماهم الله إلى العالم كي يقولوني في وحيهم، ورماني من بعدهم كي أخلّصهم من قذارتكم: لا لأقولهم، ولا لأستشهد بهم، فقد سبق لهم أن قالوني، وابحثوا عنّي تجدوني مبعثرًا في آلامهم، وتجدوني مصلوبًا في فهمكم السّاذج لهم.

كان بإمكاني أن أكذب عليكم، ولكنّي الآن أعترف، فحين أكتب: لا أكتبني، بل تكتبني ريشة أحدهم بأمر ماورائي، ولا أفكّر بل أسيل، أسيل لأنّ الفكرة جاهزة من قبل، ولا أقول بل أفعل، أفعل لأنّ القول سبقته حالة النّزع. اسألوا عنّي التراجيديا في أصولها، واسألوا عنّي ديونيسيوس، كيف خُلِقَ من دمي، وأبولو كيف سافرتُ به عبر الزمن، ووهبته مطرقة نيتشه حين أعياه صلصال التماثيل أيّام الجدب.

من أنا غير هذا الفلاح الحزين؟

دمي نهر، يدنّسه غراب يقال بأنّه ممثّل.

دمي نهر، يدنّسه غراب يقال بأنّه مُخرج.

دمي نهر، يدنّسه غراب يقال بأنّه مُنتج.

وأستدلّ بالفيزياء، سأصير غير ذلك الدّم: كائنًا بلهجة الخيمياء، أبعدُ من سائد الحداثة، من موت الإله ومن أفول السرديات العظيمة ومن نهاية التاريخ، ومن تلك الخردة البشرية التي هي أنتم جميعًا دون استثناء.

سأصير أنا المسرح، عاليًا في نيكروفليتي، في أيروسيتي، في غنوصيتي، دوني ودونكم تلك البيد التي لا دونها بيد المتنبي، بل دونها الفراغ: برزخٌ يعلو على عجينكم المدنّس.

أنا المستقبليّ مستنطق الجمال: إذا ما نزلت دمعة على خدّه، وهبَته امرأةٌ من زمنِ الزّبدِ دمعةً أخرى تبكي دمعته تلك.

أنا اللحظة وحدسها وقرينها ودليلها، وأنا سرديّة فلاح حزين لا غير.

سأكتبكم جميعًا أبطالًا جددًا في أعمالي القادمة، سأعرّيكم وأنشر فضائحكم وعجينكم المدنّس، وستكونون أنتم الجمهور: فصفّقوا، صفّقوا لقذاراتكم، صفقوا أمام تكالبكم، صفقوا يا قراد الخشب وصدأ المسامير.

ها أنا أودّعكم مثل رفيقي قاسم حدّاد، وهو يكتب قصيدته “بنات آوى”، لقد كان يعوي بالقول:

– “أعتزلكم، أعتزلكم مثل رعيّة تفقد مليكها دون ندم”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق