هموم ثقافية

الوعي المُسبق للفن

الفن حقيقة وليس واقعًا، تلك لعبته الأبدية. والخلط بين الواقع والحقيقة يشكل الانطباع، الحقيقة هي التي نفترضها، وهي غائية بلا منازع، لا عفوية في الفن، ولا تماه ولا تطهير أرسطي.

الواقع: كل ما هو موضوعي خارجنا، الحقيقة هي معامل داخلي تفاعلي مع الواقع، وهذا الأخير يمر بتفاعلات معقدة كي يتحول إلى الحقيقة الفنية.

سأورد مثالين: الأول الصورة المرفقة التي تاه المشاهد بين واقعيتها، وافتراضها، لكنها في المحصلة تحولت إلى واقع ذهني، استجلبت مشاعر التعاطف الواقعي، وليس الفني الذي يدهش المشاهد، كافتراض فني عبقري. اختبأ صانعها خلف المعنى، ووضع شارات خفية على أنها عمل فني بامتياز، فهي ليست صورة واقعية، لكنها فعلت فعل الواقع بخبث عظيم. إنها ليست صورة عفوية من جهة، لكن سرعان ما تحولت وجوه الأطفال بشكل عفوي وانسجام، باستثناء الثاني والأول من اليسار. الأول والثاني من اليمين انسجما باللعبة، وكأنهما يريان نفسيهما في إطار السيلفي الوهمي.

الأطفال بالتأكيد أطفال فقراء مرحين، أعجبتهم لعبة الشخص الذي يصورهم من خارج الصورة، أي الذي أنجز الصورة التي أمامنا. الولد الذي يمسك الشبشب “الشحاطة”، وينظر نحو نقطة الانتباه، على أنها كاميرا أو تلفون، هو سيد الموقف برفع رأسه بزاوية مقنعة. ابتسامة السيلفي هنا مقنعة أكثر من السيلفي الحقيقي، لأنهم بالأساس يبتسمون للعبة والغرابة، وليس لانعكاس وجوههم الطفولية الفقيرة المرحة، بمعنى، لو كان الشبشب كاميرا أو مرآة لفشلت كل الابتسامات المنبعثة من وجوههم البريئة. والمحصلة هي أن اللعب أصدق إنباءً من الحقائق، والحقائق أصدق من الواقع.

صورة تحمل مشاعرَ، ولعبة ذكية، وكأن الأطفال على مسرح أو داخل لقطة سينمائية محكمة التفاصيل. وقد تعمّد صاحب الصورة أن يجعل أحدهم ينظر إلى الكاميرا الخارجية التي تصورهم، كي يكسر الإيهام بأن الأطفال ليسوا بهذه السذاجة، وإنما يلعبون معه ومع الصورة ذات اللعبة، وأيضًا، كي يخبرنا أن تصويره لم يكن خلسةً، ولم يستغل الأطفال من دون علمهم.

صورة ذكية جميلة.. وهي صورة سينمائية بحق.

لولا فكرة السيلفي المعاصرة؛ لكان للصورة معنى آخر كأن تكون مرآة، أو أن الأطفال يقرؤون شيئًا على أسفل الشحاطة، لكن الوعي الجمعي المسبق، ومعرفتنا لصورة السيلفي المعاصرة، هو الذي حدد الشعور الجميل، وحوّل الشبشب في أذهاننا الى كاميرا أو موبايل. وهكذا هو الفن، وكيفية احتياجه إلى وعي مسبق لدى صانعه ولدى المتلقي.

المثال الثاني: فيلم “فاشية عادية” للمخرج السوفيتي الروسي ميخائيل روم.

كان يصور أحد المشاهد من شباك إحدى الشقق، في شارع غوركي، قبالة ساحة بوشكين في موسكو، التي ينتصب فيها تمثال الشاعر الروسي بوشكين.

المشهد هو وداع جندي لحبيبته، وقد تواعد معها هناك، قبالة تمثال بوشكين، يقدم لها الورد، ويودعها وينطلق، نحو قطاره الذي ينقله مع الجنود نحو الجبهة، في الحرب الوطنية العظمى، ضد جيوش هتلر الغازية. والمفروض أن تأتي حبيبته إلى الساحة، وهو ينتظرها كي يقدم لها الورد، فلا تأتي فيقدّم الورد لامرأة أخرى تنتظر شخص ما.

اختار المخرج فقط الممثل والممثلة والمرأة المنتظرة، وترك الناس الذين يظهرون في اللقطة، على عفويتهم (كومبارس).

كان مدير التصوير الشهر يوسف خلف كاميرته، والمخرج/ ميخائيل روم يشرح للممثلين الثلاثة المشهد، ويوسف مصوب كاميراته، نحو الساحة ويراقب من خلال عدسته، فيرى جنديًا وبيده ورود ينتظر بحرقة، وكأن الواقع قد أنتج المشهد الذي في السيناريو، وبدأ يوسف يصور، من دون علم المخرج الذي انشغل بشرح الحركة والشعور والحالة، للممثلين، وما زال الجميع في الشقة المطلة على ساحة بوشكين.

أكمل مدير التصورير المشهد، لأنه حدث تمامًا كما تمّ افتراضه، حدث واقعيًا بالتمام والكمال كما كُتب في السيناريو. وعندما همّ الممثلون بالنزول من الشقة المطلة على الساحة لأخذ مواقعهم، أخبر المصورُ المخرجَ بما حدث وما فعله.

وطلب من المخرج أن يشاهد ما تم تصويره، بعد التحميض والتظهير، ليرى مشهدًا واقعيًا لكامل التفاصيل في السيناريو. فأجّل ميخائيل روم التصوير، وذهب مع مدير التصوير من أجل المشاهدة.

وحدث ما حدث.. لم يستطع ميخائيل روم وضع المشهد الواقعي، في سياق الفيلم المفترض والمقترح فنيًا، اختلف المشهد عن الإيقاع، وكان بمصداقية أخرى، مختلفة، لا تلائم الاقتراح الفني، ولا تنسجم معه، فظهر المشهد شاذًا اعتباطيًا، بلا مسحة فنية، يقدمها الممثل بروحه وجسده وعينيه.

وعاد في يوم آخر، وصوّر المشهد فنيًا، وضع فيه اقتراحه الفني، منسجمًا مع وحدة العرض السينمائي، الذي لا يختلف عن وحدة العرض المسرحي، لهذا، يتعب المخرج في المسرح والسينما، ليجعل الممثل يقوم بدور “سكران”، وكان يكفي أن يجعله يشرب حتى يسكر ويقوم بدوره، فيكون أصدق واقعيًا.!

ربما يكون المصور للصورة المرفقة للأطفال قد ألصق هاتفًا نقالًا على الحذاء، وكانت زاوية الكاميرا قد أخفته، ليوهمك بواقعية المشهد، ويسهل على الأطفال فكرة التجسيد، كونهم غير ممثلين، لكن إنتاج الصورة، أوحى بعكس ذلك، وتحولت الصورة الفنية إلى لعبة، بأنها واقعية للمتلقي، وهنا تكمن الغاية لدى المصور أو المخرج لإنتاج المشاعر المبتغاة.

الفن دائمًا، بالنسبة إلى المتلقي والمبدع، يحتاج إلى وعي مسبق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق