تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إدلب وتوقعات الحرب

عقب انتهاء قمة سوتشي يوم أمس الخميس، بين رؤساء روسيا وإيران وتركيا، التي ناقشت تطورات الوضع في سورية، ونقاط المراقبة في إدلب؛ أشار مسؤول في الكرملين إلى أن روسيا لا تخطط لشن عملية عسكرية في إدلب، ويأتي ذلك بعد إشارة روسيا إلى الإعداد لعملية عسكرية في إدلب، إذ قال سيرغي فيرشينين، نائب وزير الخارجية الروسي: إن “التحرك العسكري المحتمل في إدلب سيكون منظمًا بشكل فعال؛ إذا تم”، وكانت موسكو قد أعلنت أكثر من مرة أنه “لا يمكن القبول ببقاء التهديدات الإرهابية من إدلب إلى الأبد”. فيما تحدثت أوساط عسكرية عن ضرورة القيام بتحرك مشترك مع تركيا، وأشارت تسريبات إلى أن الوفود العسكرية الأمنية والعسكرية من البلدين ناقشت تفاصيل تحرك مشترك، في الأسابيع الماضية، لكن موسكو تتجنب -حتى الآن- التعليق رسميًا على هذه المعطيات.

من جانبها، أعلنت أنقرة رفضها عملية عسكرية مشتركة مع روسيا في محافظة إدلب السورية، معتبرة أن وجود مجموعات متشددة لا يبرر مثل هذه العملية التي ستخلف ملايين اللاجئين، ورأت أن هناك استفزازات تهدف إلى تقويض اتفاق سوتشي الذي تم التوصل إليه بين الرئيسين التركي والروسي، في 17 أيلول/ سبتمبر الماضي، بشأن إقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب.

في سياق تلك التطورات، سألت (جيرون) بعض القادة العسكريين السوريين المنشقين، وسياسيين سوريين معارضين، عن رأيهم في ذلك، وهل يمكن أن تتم مثل هذه العملية العسكرية في القريب العاجل؟ وكيف ستتعامل معها الحكومة التركية، إذا تمت؟ وهل ستكون واسعة أم محدودة؟

رياض نعسان آغا، عضو هيئة التفاوض السورية وابن إدلب، قال لـ (جيرون): “أعتقد أن هناك موقفًا دوليًا يرفض القيام بعملية عسكرية واسعة في منطقة إدلب؛ لأن الجميع يدركون خطر تداعياتها العسكرية والإنسانية، وما يمكن أن تخلف من دمار وهجرات تتدفق على أوروبا من جديد، لكن الروس يريدون تحقيق هدفهم في إنهاء تدخلهم، بانتصار كامل للنظام، كما يتوهمون، وأعتقد أن الولايات المتحدة لن تقبل بتدمير المدنيين، لكن الروس يتحدثون عما سموه عمليات جراحية محدودة، ربما ستستهدف مجموعات معينة وتضغط على الآخرين للإذعان. وندعو الله أن يجنب شعبنا المزيد من الفواجع، مع إصرارنا على الانتهاء من التنظيمات الإرهابية، ولكن من دون أن يصاب المدنيون بأي أذى”.

بينما رأى العقيد السوري المنشق عبد الباسط الطويل أنه “سيكون هناك دخول بارد للروس، بالتعاون مع الفيلق الخامس إلى المحاور الرئيسة مثل الطرق الدولية، وأعتقد أنه سيكون هناك فصيل واحد بالشمال، وهو من سيكون إلى جانب الطرف التركي”. وأضاف: “سيكون هناك أيضًا حلّ بارد لموضوع (جبهة النصرة) بعد أن تنفذ مهمة إزالة (حراس الدين)، وطبعًا كل ذلك في سبيل نقل هذه المنطقة إلى منطقة آمنة، والآمنة تعني أنها مهيئة للدخول في عملية التسوية النهائية والانتخابات، كما أعتقد أن هناك عودة لمؤسسات النظام الخدمية فقط إلى الشمال”.

الرائد السوري المنشق والمحامي طارق حاج بكري قال لـ (جيرون): “الاتفاق الروسي التركي يركز على ضرورة نزع السلاح الثقيل من المنطقة التي وقعت عليها المعارضة السورية، وهي على محيط المنطقة المحررة، وقد تم تنفيذ هذا الجانب من الاتفاق من قبل الفصائل كافة، حتى (جبهة النصرة) وبقية الفصائل المتشددة. وحول إنهاء الوجود العسكري لهيئة تحرير الشام، أتوقع أن يتم بالطريقة الناعمة، عبر اختفاء بعض القيادات المتشددة، من خلال الترحيل والنقل خارجًا أو عن طريق تصفيتهم داخليًا، وبتغيير أسلوب العمل للهيئة، وزيادة تقربها من المدنيين وتخفيف القيود وإتاحة هامش أكبر من الحريات، واندماجها مع فصائل عسكرية أخرى وتغيير أهدافها المعلنة، والسعي لتنظيم المناطق إداريًا، مع المحافظة على السيطرة الفعلية مدنيًا وعسكريًا، ولكن بأسلوب أكثر مدنية، مع استمرار سيطرتها على الموارد الاقتصادية والطرقات العامة، عبر حكومة الإنقاذ أو نسخة منها”.

وأضاف: “قد تحدث ضربات عسكرية محدودة للضغط على الهيئة، يتفق عليها الجانبان الروسي والتركي، ولكن لن يسمح لنظام الأسد بدخول إدلب، كي لا تحدث مشكلة إنسانية كبيرة قد تكون خارج السيطرة، وتركيا لن تسمح لنظام الأسد بتجاوز النقاط التي وضعتها في محيط إدلب، فهذا يعتبر مسيئًا لها، ولن تسمح بحدوث اشتباك عسكري مع جنودها، كي لا تدخل في معركة أكبر. وإن تجرأت قوات الأسد على عمل عسكري؛ فستكون الخاسرة، إن لم تتم تغطيته جويًا من قبل روسيا، فالنظام لا يملك المقدرة البشرية على الاقتحام البري من دون سياسة الأرض المحروقة. وقد يلجأ إلى استخدام السلاح الكيميائي، وبالتالي سيكون قد اتجه نحو حتفه”. لكنه قال، بكل وضوح: “إذا ساهمت روسيا في تغطية عمل عسكري؛ فستتعرص الاتفاقات التي وقعتها مع تركيا للإلغاء، وبالتالي ستخسر الحليف التركي المؤقت، وستكون هي الخاسر الأكبر وستعود الأوضاع إلى نقطة الصفر، وهذا ليس في صالح روسا. لذلك لا أتوقع عملًا عسكريًا يغير تركيبة المعادلة على الأرض، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن أي عمل عسكري من جانب النظام سوف يعطي المبرر لتركيا بالسماح لفصائل الثورة بأن تقوم بأعمال عسكرية هي الأخرى، وبالتأكيد فإن الفصائل كلها تريد هذا الأمر، لإثبات أن الثورة ما زالت موجودة في الميدان، وقادرة على تغيير المعادلة. وهي قادرة على ذلك فعلًا”.

أما حمدو الدغيم، رئيس المكتب السياسي في الهيئة السياسية لمحافظة إدلب، فرأى أن هذه العملية “لن تتم من الجانب الروسي بشكل منفرد، لأن لروسيا مصالح كبيرة مع تركيا، وتفاهمات شرق الفرات ما زالت موضوعة على الطاولة، ويتم النقاش عليها، ولا أظن أن روسيا تفكر بعملية في إدلب بمعزل عن الأتراك؛ لأن حرب الروس بالأساس هي حرب اقتصادية، ولا يوجد لها مصلحة اقتصادية في إدلب، إذا أخذنا بعين الاعتبار خسارة الحليف التركي مقابل هذه الحرب”، وتابع: “الكل يرى التعزيزات التي يرسلها الأتراك إلى نقاط المراقبة الجنوبية والجنوبية الشرقية، وأعتقد أنه إذا تم التفاهم بين الأتراك والروس، ربما تقوم عملية عسكرية على نطاق ضيق، وتكون جوية فحسب، يتم من خلالها استهداف بعض النقاط التي يرون أنها تشكل خطرًا عليهم، وبخاصة بالقرب من قاعدة حميميم”.

الباحث الإسلامي غياث طاووز قال لـ (جيرون): “أتوقع أن تركيا مستعدة للقيام بعمل عسكري لكن مع الفصائل الثورية التي تدعم الموقف التركي، لكنها تفضل أن تمنح الهيئة الفرصة الأخيرة لتحل نفسها، وتتجنب المجابهة، لكن ثمة صعوبات تتعلق بالمقاتلين الأجانب داخل الهيئة، فربما يكون هذا سببًا لتفكك الهيئة من داخلها؛ والأيام القادمة حبلى بأحداث كبيرة، لكن ولادتها عسيرة، ونتمنى حقن الدماء واتخاذ الإجراءات التي تحفظ أمن الناس هناك”.

أما الكاتب السوري المعارض محمد عمر كرداس، فقال: “الاتفاق الثلاثي التركي الروسي الإيراني حول إدلب، ومن بعده اتفاق سوتشي في 17 أيلول / سبتمبر 2018 القاضي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب، وسحب السلاح الثقيل والمتوسط من الفصائل المسلحة هناك، لم ينجح في تجنيب إدلب مخاوف حرب لا تُبقي ولا تذر، فإدلب التي احتشد فيه، طوعًا أو كرهًا الملايين من المدنيين العزل، وبقايا المسلحين الذين دخلوا في مصالحات ومساومات مع النظام وروسيا، أخذت جدلًا واسعًا بين (رعاة) الحل في سورية: تركيا وروسيا وايران، وأميركا وحلفائها من وراء حجاب، لنزع سلاح مسلحي النصرة ومن والاها من الإرهابيين. فالنصرة، بعد تمددها الأخير في المنطقة، لم تنصع لتلك القرارات، ولم تقبل نصائح تركيا. وهنا لا بد من توضيح بعض الأمور، منها أنه يجب أن يتم الخلاص من مسلحي النصرة ومن والاها، لأنها تشكل خطرًا على المدنيين، حيث إنها تُمعن فيهم قتلًا واعتقالًا وتشريدًا، وتفرض قوانين وأحكام عفا عليه الزمن، ولا تتناسب مع شعبنا السوري المثقف والمنفتح، فضلًا عن أنها حشدَت شذاذ الآفاق من بلدان العالم، ليفرضوا على شعبنا حياة القرون الوسطى. ويجب أن يتم إنهاء هذا الوجود السرطاني، من دون تعريض الآمنين والعزّل لأي مكروه”.

وشدد على أن روسيا “إذا خاضت عملية عسكرية في إدلب؛ فلن يهمها من يُقتل من المدنيين، وما سيُدمَّر من مشاف ومدارس وبيوت، وما جرى في غروزني الشيشانية وبعض مدننا السورية ماثل أمامنا. كما أن قرار انسحاب أميركا المرحب به، أربك القيادة التركية كونه سيعطي الأكراد مساحة أكبر بكثير من حجمهم في سورية، ويتركهم ملاصقين للحدود التركية، الشيء الذي لن تقبله تركيا التي كانت تُعِدّ لعملية عسكرية واسعة لإبعادهم من حدودها، وتركيا الآن في حيرة. علاوة على أن إيران تنتظر أي فرصة للدخول إلى إدلب، وهي في تصريحاتها الأخيرة (تعتبر وجودها شرعيًا والوجود التركي احتلالًا). وإن ما يشاع عن تشكيل لجنة كتابة الدستور أو بالأحرى لجنة التوقيع عليه، يدفع الروس إلى الإسراع في إنهاء ملف إدلب، ليكون أمامهم متسع من الوقت، ليظهروا إلى العالم أنهم نجحوا في إنهاء الحرب في سورية، وأنهم في طور التحضير للسلم والحل السلمي”.

وختم: “معركة إدلب -إذا كانت قادمة- ستؤدي إلى موجة جديدة من النزوح (الذي تخاف منه تركيا) والدمار والخراب، والقتلى والجرحى سيكونون بالآلاف، ولن يكون ذلك سهلًا، إذ إنه يعتبر فشلًا لكل جهود الدول (الضامنة) لإنهاء الحرب. وقد يؤدي إلى انفراط عقد هذه الدول (الضامنة) وبذلك يفتح المجال أمام خلط جديد للأوراق، فروسيا تريد حسم المعركة، وتركيا تتخوف من النتائج، وعينها على المسلحين الأكراد لإبعادهم من حدودها، واتفاق أضنة الذي أتاح لها التدخل في الشمال السوري، ليس كافيًا برأيها، بعد التحالف الكردي الأميركي الذي تعتبره أميركا استراتيجيًا في سياستها في المنطقة، وإيران والنظام متأهبتان بريًا لحسم المعركة”.

المحامي والمعارض السوري طارق غريبي ابن إدلب، قال: “منذ توقيع اتفاق خفض التصعيد 2017، نجد أن التصريحات الروسية حول تنفيذ عملية عسكرية على إدلب اكتنفها الغموض والضبابية. ويعود ذلك إلى تضارب المصالح والرؤى بينها وبين تركية. ولكن التصريحات الروسية الأخيرة تظهر ما يشبه رغبةً حقيقيةً لدى الروس في اجتياح محافظة إدلب التي تعتبرها موسكو منطقة محميّات إرهابية لن تسمح بوجودها! وبالنظر إلى ما توصّل إليه وزيرا الدفاع التركي والروسي مؤخرًا في أنقرة، باتخاذ إجراءات حاسمة في إدلب التي تسيطر عليها جبهة النصرة (هتش) المصنفة إرهابيًا، يذكّرنا هذا الاتفاق بتصريح وزير الخارجية التركي أوغلو في 10/ 1/ 2019 بأن بلاده وروسيا قد تنفذان (عملية مشتركة) ضد جبهة النصرة. وبالنظر إلى ما تقدم يغدو الوضع معقدًا على الأرض، لكن يبقى احتمال شن عملية عسكرية على إدلب هو الأكثر ترجيحًا، لكن هذه العملية ستكون محدودة، لأن عملية عسكرية شاملة ستؤثر سلبًا على تركية، من خلال تدفق ملايين اللاجئين إلى أراضيها، في الوقت الذي تريد فيه موسكو الحفاظ على مصالحها مع تركية. وبالتالي فإن السيناريو الذي اتبعه الأسد والروس (التهجير القسري لمعارضيه من الفصائل) في الغوطة والجنوب، لا يمكن تطبيقه في الشمال السوري، لأنه البقعة الأخيرة المتبقية لدى المعارضة، التي لا يمكن القضاء عليها (رغم تفرقها) بليلة وضحاها، كما أنه لا يوجد مكان آخر تُهجّر إليه”.

وعن الموقف الأميركي، قال: “لا يمكن شنّ عملية كهذه (حتى لو كانت محدودة) من دون التنسيق مع الجانب التركي اللاعب الرئيس في الشمال السوري، وقد لا نستغرب مشاركة تركية (بشكل أو بآخر) إذا لم تستطع الأخيرة تحويل جبهة النصرة المصنفة إرهابيًا -في أسرع وقت- إلى حركة سياسية، عبر دمجها في الجيش الوطني. والمشاركة التركية قد تكون ما قصده فيرشينين بأن العمل العسكري سيكون منظمًا بشكل فعال، إذا تم. أما الأسباب التي تدعو روسيا والأسد إلى اجتياح عسكري جزئي لإدلب، فهي كثيرة وأهمّها سيطرة النصرة على إدلب سيطرة تامة، في الوقت الذي تلقى فيه روسيا والنظام تأييدًا دوليًا للقضاء على الإرهاب، ولا سيما أن اتفاق وقف التصعيد لم يشمل النصرة، كما هو الحال في اتفاق المنطقة العازلة. والكل يرى أن هجمات النظام لم تتوقف على مناطق كثيرة من إدلب، ولا سيما معرة النعمان وجسر الشغور ومحيطهما. إضافة إلى أن سيطرة النظام على إدلب تحقق مبدأ وحدة الأراضي السورية الذي طالما تبجّح به. كما أن روسيا تعتبر أن إدلب هي آخر عقدة في طريق الحل السياسي في سورية، حيث اعتبر نائب وزير الخارجية الروسي فيرشينين أن (مناطق خفض التصعيد إجراء مؤقت)، وهذا يعني أن لا أحد سيعترف بهذه المنطقة على هذا النحو إلى الأبد”.

أما الناشط وعضو المجلس المحلي السابق في أريحا فاخر قزموز فأكد لـ (جيرون) أنه “لا يمكن، على الأقل في المدى القريب، أن يكون هناك عمل عسكري على إدلب. والسبب أنه لم تنضج الطبخة بين الأقطاب الأربعة: تركيا وروسيا وأميركا وإيران”، وأضاف: “هناك تفاهمات تحت الطاولة لمّا تظهر بعد، ونحن بانتظار حل هذه التفاهمات، وسوف نعيش في المحرر مرحلة طويلة من حالة اللاحرب واللاسلم، وكل ما نسمعه عن حشودات هو فقاعات”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق