تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ما بعد بعد سوتشي

مضى عام تقريبًا على لقاءات سوتشي التي تعتمدها روسيا، في أساس الحل السياسي السوري، وفق معايير روسية محددة بأبعاد رئيسية ثلاثة:

  • ترويض الحلول السياسية الدولية حول سورية خاصة: (جنيف 1) والهيئة الانتقالية كاملة الصلاحيات، وجعلها متقادمة بحكم تطورات الواقع العسكري الميداني، وتحويلها إلى حكومة مصالحة وطنية حسب رؤيتها لذلك.
  • الانتقال إلى موقع المفاوض العالمي على استعادة المكانة العالمية مرة ثانية روسيًا، بحكم التفوق والغطرسة العسكرية وتوازن الرعب النووي العالمي، بعد أن فقدتها عام 1991 في إثر انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الشيوعية الشمولية، وهذا ما بدأته في محادثات هلسنكي الترامبوتينية، الصيف الماضي.
  • الانتقال من مرحلة الحرب العسكرية إلى الوجود السياسي المعترف به دوليًا في سورية، ولكون تدخلها العسكري لم يأخذ هذه الشرعية الدولية القانونية لليوم، فهي تبحث في جعل وجودها السياسي قانونيًا دوليًا في سورية، ما يمهد لها تمكين وجودها الاقتصادي والسياسي، كعقدة وصل مهمة بين أوروبا عبر البوابة التركية، وآسيا عبر البوابة الإيرانية عبر العقدة الشرق متوسطية المتمثلة بسورية، بغية إقامة أوراسيا الجيوسياسية الكبرى.

المعايير الثلاثة أعلاه تتفق تمامًا مع منظري النظرية السياسية الرابعة في الجيوبوليتيك خلافًا لمثلث الشيوعية والنازية والليبرالية، الذي تعتبره روسيا الحالية محط نقد يجب تجاوزه بحكم الضرورات الواقعية الجيوسياسية ترسيخًا للجانب النظري المنطوي على عنصرية شديدة العداء للحقوق والحريات ومنظومات التعايش الإنساني السلمي، فهل تستطيع روسيا إكمال مهمتها هذه بنجاح؟

الحالة السورية اليوم، من وجهة النظر الروسية، موقع جيوسياسي رئيسي، تم استحواذه عسكريًا، ويجب تثبيت حلوله السياسية بما يضمن عدم تجديد الحرب والعمليات العسكرية العامة سوى المحدودة منها إن لزم الأمر، ويضمن إرضاء كافة أطراف الصراع العسكري في سورية، بطريقة أو بأخرى؛ ما يجعل التوافقات الممكنة على أي حالة سياسية سورية تمرّ بجملة من التعقيدات غير المنتهية، تتمثل بالمحاور الإقليمية الرئيسية: إيران وتركيا ودول الخليج العربي خاصة السعودية، ومحاور دولية كبرى تتمثل بأميركا وأوروبا؛ ما يجعل أي موقعة سياسية لها في هذا الشأن تأخذ مسارًا طويلًا ومتعرجًا، كما في محادثات أستانا الماراثونية في الحلول “نصف العسكرية” – “نصف السياسية” التي مهدت لقضم معظم الجغرافية السورية، بالتفاهم النسبي على حدود النفوذ للصديقين اللدودين تركيا وإيران، بعد ضمان جملة من التوازنات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لكل منهما بشكل نسبي، محوره روسيا أولًا.

في سياق هذه الصيرورة، تبرز معوقات عدة أمام الروس، فإذا تم استثناء الخلاف العميق الروسي الأميركي المباشر تحت الخط الأحمر الدولي النووي؛ فستتمثل مسألة المعوقات الروسية في سورية بالوجودين التركي والإيراني، وهو ما يدفعها إلى التركيز على المحادثات الثلاثية المتكررة لها في كل من أستانا وسوتشي، بعد استثناء طرفي المعادلة السياسية السورية: المعارضة والنظام، والدفع بخطوات تفعيل الجهود السياسية في موضوعات، تتعلق بالشروط الأميركية الإسرائيلية في تحجيم الدور الإيراني داخل سورية من جهة، وعدم انسلاخ تركيا من تحالفها الراهن معها، بعد الإغراءات الأميركية بالمنطقة الأمنة شمال سورية والتزويد بسلاح (باتريوت) بديلًا من S-300 . S-400 الروسي، مستخدمة كل الوسائل السياسية والاقتصادية في ذلك، بغية تثبيت نصرها العسكري “الكريه”، بطريقة سياسية تظهر فيها وكأنها صانع سلام عالمي، بعدما كانت دولة مارقة عسكريًا تتهم بالبلطجة وتهديد السلم العالمي.

المعضلة الأخرى أمام روسيا اليوم هي ماذا بعد سوتشي؟ والظريف في الأمر أن الإجابة جاهزة في المراوغة والوهم السياسي أيضًا، كما رويت ذات مرة عن صواريخ “حزب الله” بأنها “لما بعد بعد حيفا” ولم تصل إلى حيفا أصلًا بقدر ما وصلت إلى سورية؛ ليصبح الشعار الروسي الواهي اليوم، بعد أن تم التوافق الروسي التركي بشكل رئيسي على عضوية اللجنة الدستورية المفترضة كسلة رابعة من سلال دي ميستورا في الحل الأممي السوري، هو ما بعد بعد سوتشي ليس سوى دستور تقاسم النفوذ السياسي، بعد إتمام صفقات الحرب والدمار والخراب العام، هو نموذج لاتفاق شبه دولي، يأخذ بعين الاعتبار القوى الفاعلة العسكرية في سورية وآليات تفاهمها على تقاسم النفوذ السياسي من خلاله، في مرحلة ترويض الحلول الدولية حول سورية، وتفريغها من محتواها وجذرها الممكن في تحقيق الانتقال السياسي الذي يمثل الحل الجذري الوحيد والممكن لجعل سورية دولة ذات سيادة أولًا، ويمكنها ثانيًا من انتخاب لجنتها الدستورية بحيث تمثل العقد الاجتماعي السوري الوطني باختلافه وتنوعه، وهذا ما حاربته روسيا أساسًا ومجموع الدول الفاعلة في الملف السوري لليوم.

اللجنة الدستورية المتشكلة اليوم هي نتاج تفاهمات الحرب، وخطوة من خطوات ما بعد سوتشي الروسي بنكهة دولية عامة، عنوانها “ربح الكل العسكري سياسيًا” وخسارة الكلية السورية شرعية وجودها المستقل، ويبدو هذا واقعيًا في سياق الحدث السوري المتأزم دوليًا بين جميع الأطراف الإقليمين والدوليين، لكنه في الواقع يلقي الضوء على مدى عمق المسألة السورية، وتحولها إلى نقطة ارتكاز وتوازن عالمي، تحاول كل الأطراف تجنب تفجيرها على نطاق أوسع، وبالضرورة على تبريد كل مفاعيلها السياسية والثورية، من ملفات المعتقلين وجرائم الحرب والتغيير الديمقراطي المنشود وإجهاض مشروع الدولة الوطنية.

تنتظر الوطنية السورية ممرات إجبارية وقاسية، فالقبول بالحل الدستوري يجب أن يكون مؤقتًا ومشروطًا بمرحلة انتقالية تضمن التغيير المفترض، وتمهد لإمكانية العمل السياسي والمدني الحر في الداخل السوري، عندئذ يمكن الحديث عن دستور سوري وعقد اجتماعي وطني ناتج عن المصلحة الوطنية، بكل تنويعاتها وتوافقاتها، لا عن رغبة المتغولين في الحرب والدم السوري، تحت عنوان: ما بعد سوتشي النافلة.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close