أدب وفنون

أصل الدوافع في السلوك الإنساني

لم يتوقف النتاج الإبداعي من أدب وفنون، عن البحث في طبيعة الإنسان، ولم ينفصل عن العلم باعتباره -أيضًا- وسيلة لسبر أغوار الذات الإنسانية، إلا أن أكثر الأعمال إثارة للجدل ركز على قدرة الإنسان “الفطرية” على ارتكاب الشر، عند توفر الظروف المناسبة، مثل فيلم (التجربة) الذي أخرجه بول تي شيرينغ عام 2010، وفيلم (جريمة قتل أميركية) الذي أخرجه بول أوهافير عام 2007، ورواية (أمير الذباب) التي ألفها ويليام غولدنغ عام 1954.

لم تعد نظرية “اللوح الخالي” التي تفترض أن الإنسان يولد كصفحة بيضاء، ويكتسب كل شيء من خلال الثقافة والبيئة والتجربة، تلاقي ترحيبًا كبيرًا في الأوساط الأكاديمية، بعد أن توجه علم الأعصاب وعلم الجينات السلوكي اليوم، إلى دراسة تعقيدات الدماغ البشري، وبالتالي تعقيد السلوك الإنساني، ويعدّ عالم النفس الإدراكي الأميركي ستيفن بينكر أبرز من بحث في هذا المجال في عصرنا هذا.

وأوضح بينكر في كتابه (أفضل الملائكة في طبيعتنا البشرية) الذي نشره عام 2011، أن كل إنسان يولد بخصائص محددة لا يمكن اكتسابها من الخارج، وأن نظرية “اللوح الخالي” كانت جذابة في القرن العشرين، لأنها تفترض أن البشر جميعًا يولدون متطابقين، وبالتالي يمكنهم أن يحققوا حلم الكمال بأن يصبحوا جنسًا مثاليًا، من خلال الهندسة الاجتماعية، وأضاف: “حتى لو ولدنا بخصائص دنيئة، فإنها لا تقودنا أوتوماتيكيًا إلى سلوك مشين، وذلك لأن العقل البشري نظام معقد مكون من أجزاء كثيرة، يستطيع بعضها أن يكبح الأجزاء الأخرى”.

يقودنا بحث بينكر إلى تساؤل مشروع: هل يمكن تقييم جميع أنواع السلوك البشري كأفعال، خيرة أو شريرة بالكامل، إذا كان الإنسان نفسه مزيجًا من الصراع بين الخير والشر؟

“شيء حقيقي مخفي، قد تجده في عمل مزور”:

قد يظن البعض أن اختيار البحث في موضوعات محرمة، لن يجلب الخير، كما قال بينكر، إلا أن الطبيب والكاتب تشيخوف رد على ذلك بقوله: إن الإنسان سيصبح أفضل، عندما تريه ما هو عليه.

ويرى شوبنهاور أن الفكاهة تتصارع على نحو لا إرادي مع العالم الخارجي، فهي لا يمكن أن تسلم نفسها له، ولا يمكنها تجنبه، ومن ثم يكون على صاحبها إيجاد تسوية معه. وانطلاقًا من هذا، يمكننا تخيل إنسان يرغب بشدة في الاستغاثة من وحشته، ولديه خيار التلويح بها، لكن توقعه أن يُلاقى باللامبالاة قد يكون مؤذيًا؛ لذا من الأسهل أن يحولها إلى مزحة تثير اهتمام الآخرين.

وتنطبق نكتة الفتاة في هذا المثال، على نكات “الإبدال” التي بحث فيها فرويد في كتابه “النكتة وعلاقتها باللاشعور”، وهي تحويل مسار التفكير عن الموضوع الأصلي، وهو ما سيثير الضحك في هذه الحالة، إلا أنه ينطوي على الإفصاح عن رغبة مكبوتة أعمق مما يوحي به الظاهر.

أشياء يجهلها المتخمون:

نصادف في حياتنا يوميًا نماذج من البشر، تثير الحيرة في تفانيها، بتقديم المساعدة المادية والمعنوية، في الوقت الذي يكونون فيه -أنفسهم- بأمس الحاجة لهذه المساعدة، ويصرون على ذلك بشكل شرس، وكأن وجودهم قائم عليه، حتى لو أدى الأمر إلى تعرضهم أو تعرض أشخاص مقربين منهم للأذية، وهو أمر –وإن كان غريبًا- يلعب دورًا مهمًا في التكافل الاجتماعي، إلا أن الكاتب النرويجي كنوت هامسون، في رواية “الجوع” التي نشرها عام 1890، سلط الضوء على هذه المسألة بطريقة مختلفة، وفسرها بمفهوم “الحاجة للعطاء”.

ويروي هامسون في روايته، التفاصيل اليومية من حياة صحافي شديد الأنفة، تضيق به الحال المعيشية فجأة، ويوضح تداعياته النفسية والعقلية، في فترة يقضي بها أيامًا دون طعام، لدرجة تضطره إلى مضغ أوراق الأشجار، أو الكذب والسرقة من أجل إرضاء معدته التي تلوك نفسها، إلا أنه مع ذلك يصر على الادعاء أمام الناس بأنه بحال جيدة، ويشعر بحاجة ملحة و”غير متناسبة مع شخصيته سابقًا”، إلى منح “أي شيء” لأكثر من شخص يصادفه.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة في الرواية، هو الموقف الذي تتسول فيه طفلة النقود من الصحافي، وهو في حالة أكثر بؤسًا منها؛ فهو لم يكن خاوي الجيب فقط، بل خاوي المعدة منذ أيام، إلا أنه يقول: “أومأت لها من غير وعي، ونهضت أفتش في جيوبي، ولكنها ظنت أني أسخر منها، فابتعدت دون النطق بكلمة واحدة، استكبرت علي هذا التسامح الأصم، ولو شتمتني لكان أليق بي، تملكني الألم وأخبرتها أني سأذكرها بالنقود لاحقًا، ولكنها لم تصدقني، فبكيت من اليأس، لأن فتاة الشارع الصغيرة هذه، لم تصدقني، فناديتها مرة أخرى، وشققت جيبي لأعطيها صداري، إلا أني تذكرت أني لم أعد أمتلك صدارًا”.

ويتناول هامسون في روايته الجوع الفيزيولوجي، إلا أنه يبالغ في وصف التفاصيل السلوكية، لدرجة قد تظنه يشير مجازيًا إلى جميع أنواع الجوع النفسي والعاطفي، ويخيل إليك أن الصحافي منذ أول سطر حتى آخر سطر من الرواية، يلهث وراء ما يشبع “أناه” التي قلصها الجوع والخزي، فصار بحاجة ملحة إلى ملئها بالمعنى، الذي تجلى على صورة “الإحسان”، لأنه منحه وهمًا عقليًا بأنه ما زال يمتلك شيئًا يعطيه، وكأنه يرميه في وجه العالم الذي خذله.

“الخوف من الألم دافع عظيم”:

تعدّ شخصية “الدكتور هاوس” التي أداها الممثل البريطاني هيو لوري، في المسلسل الذي أخرجه ديفيد شور، وهو يحمل الاسم نفسه، من أكثر الشخصيات التلفازية إثارة للجدل، إذ إن نزقه الشديد يمنحه الجرأة على التصريح، بكل ما يخشى البشر الاعتراف به، وكأنه النسخة البشرية قبل مرورها على مصفاة القبول الاجتماعي.

ويصر الدكتور هاوس الذي يتفانى في إنقاذ حياة مرضاه، على أن جميع التصرفات الإنسانية النبيلة، لا تخلو من الدوافع الدنيئة، وهو أمر قد يبدو مبالغًا به، إلا أنه يظهر جليًا في العديد من الحالات التي تمر به، مثل حالة المرأة التي تتبرع بنصف كبدها لحبيبتها في الحلقة 18 من الموسم الثاني، على الرغم من اكتشافها أن الأخيرة كانت على وشك تركها، وعند سؤالها عن كمية الحب الذي تكنه لها، لدرجة دفعتها إلى القيام بهذا الفعل المتضمن أقصى درجات الإيثار، تكون إجابتها صفعة للمشاهد: “نعم، أنا بطلة، ولكنها لن تستطيع تركي الآن!”، مشيرة إلى أنها تربطها بها، بدفعها عن عمد للشعور بتأنيب الضمير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق