مقالات الرأي

الميدان الكردي شرق الفرات

يشهد المسرح الكردي حاليًا تنقّلًا نفسيًا للناس، بين خبايا تهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدخول شرق الفرات، وحسم قضية منبج وضمها إلى الشريط الحدودي حتى عفرين، وبين “تويترات” الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتشكيل منطقة آمنة، ورغبة تركيا في إدارتها وتسميتها بالمنطقة “الأمنية”، وإذا طُبق المشروع، بموافقة روسية من دون فيتو، فإن تركيا لا ترغب في ترك الحضن الروسي. أو بين إمكانية دخول قوات (بيشمركة روج) لإدارة المنطقة مع باقي المكونات، إلى تصريحات قيادات (قسد) بمنع دخول تلك القوات إلى المنطقة، إلى انتظار نتائج لقاءات واشنطن – أنقرة، أو تنفيذ منطقة آمنة تحت البند السابع، وتحديدًا المواد (42، 43، 44)، حينئذ ربما تفتقد تركيا الدور المؤثر في المنطقة الآمنة، بسبب التواجد الأوروبي والقبعات الزرقاء.

لا شيء يُخفف من يقين الأكراد بنشوب حرب كارثية، في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، أو مخاوف على وجودهم التاريخي، حيث إن بضعة أيام لأي اشتباكات جديدة كفيلة بتراجع القضية الكردية عشرات السنين إلى الوراء، وهي ستكون الأولى من نوعها ضمن المدن والأحياء والحارات، ولا تحتاج إلى عبقرية رياضية لمعرفة حجم وتكلفة الخسائر البشرية والمادية والبنية التحتية. جميع المعارك التي خاضتها (قسد) كانت خارج جغرافية التواجد الكردي، وحجم الدمار المخيف في الرقة ودير الزور والطبقة وغيرها، كفيلٌ بردِ الدّين، للحد الأدنى من قواعد الاشتباك إن حصل.

كحال باقي الأطراف السياسية السورية التي قدمت تصورات وقراءات خاطئة للمشهد العسكري والسياسي للوضع المُركب والمُعقد الذي تحلت به سورية جغرافيًا وإقليميًا، خاصة عبر علاقاتها الاستراتيجية مع إيران، والنفعية مع روسيا، وجدت التنظيمات الكردية أيضًا نفسها إزاء وضع مُتشعب العلاقات والتدخلات الإقليمية، فكانت الطروحات الكردية للمستقبل السوري في بدايات الحدث، تتعاكس بمجملها مع الوقائع التي تعيشها المنقطة. وبعيدًا من جلد الذات، كان الوضع السوري -وما يزال- أكبر من المجلس الوطني الكردي ومن الاتحاد الديمقراطي، لكن المشكلة هي في حجم خسارة الطرفين، وكلٌ بحسب ما سعى له، سواء لجهة (الجغرافية الكردية) من نهر دجلة حتى البحر المتوسط “إقليم كوردستان سورية”، وما شهدته من انحسار للمد الجغرافي ما بعد شرق الفرات باتجاه غربه، وتأهب الشارع الكردي للقبول بالتسمية الجديدة “منطقة آمنة شرق الفرات”، مع بقاء باقي المناطق تحت السيطرة التركية من منبج -إن حصلت عليها- حتى عفرين، أو لجهة التغير المستمر في المدلولات اللفظية والخطابية للمنطقة المتبقية تحت سيطرتهم العسكرية، وهي بكل الأحوال أكثر من 90 بالمئة من (الجغرافية الكردية) الآيلة للقضمِ، والتبدلات الدائمة في المواقف من النظام والمعارضة، والاستعداد لفتح علاقات مع تركيا، بعدما كان أيّ نوع من العلاقات تُهمة تُلصَق بكل مخالف لهم في الرأي، فبات من السهل جدًا توجههم صوب تركيا، أو فتح قنوات حوار مع المعارضة التي كانت بدورها إحدى التهم الإرهابية التي يلصقها الطرف الكردي بالآخر.

ما استجد مؤخرًا هو إحياء اتفاقية أضنة، عقب اللقاء التركي – الروسي، وعدم طمأنة تركيا، التي أحسن النظام السوري رد رسائل إليها، مفادها باختصار: إنهاء المعارضة السورية السياسية في إسطنبول، رفع اليد عن المعارضة المسلحة في عفرين وإدلب وباقي الأماكن، وانسحابهم من مناطق درع الفرات، والتعامل المباشر مع النظام السوري، كنظام شرعي ووحيد لسورية. لقبول التقارب التركي – السوري، ومقايضة ذلك بالتواجد الكردي في شرق الفرات، والأكثر وضوحًا أن الاتحاد الديمقراطي، بعد عودة الاتفاقية إلى حيّز التنفيذ مجددًا، سيجد نفسه ممزقًا بين العودة إلى جبال قنديل، أو إيقاف العمل العسكري والسياسي، والابتعاد من المنطقة. وقد يكون بصيص الأمل الوحيد المتبقي لهم منحصرًا بالموقف الأميركي حيال تنفيذ التصريحات بحماية الأكراد في سورية، وهو ما سيُلزم الاتحاد الديمقراطي بدفع فاتورة باهظة، لن تقلّ عن فك الارتباط خارج الحدود، القبول بـ (بيشمركة روج آفا)، تشكيل إدارة تُعبر عن إرادة جميع مكونات المنطقة، والانسحاب العسكري من الشريط الحدودي.

تقول سير الأكراد، تحديدًا في سورية، عبر عقود النضال السياسي، إنهم لم يتعودوا الاعتراف بالهزائم. ما نعيشه اليوم هو عينه الخطابات التي أعقبت كل ضربة موجعة من الأنظمة ضد القضية الكردية. وعدم الاعتراف بالهزيمة، مردّه أن سكرة الانتصارات أضفت سطوتها على العقول، فسمحت بأن يتكرس خطاب الكراهية لاحقًا. لا بد من خطاب يعترف المهزوم فيه بعجزه عن مجاراة المستجدات، نتيجةً للتغيرات في موازين المصالح الإقليمية والدولية التي كانت، وما تزال، أكبر وأهم من دماء وتضحيات الأكراد في سورية، أو على أقلّ تقدير اللجوء إلى خطاب التخدير المستمر المتعارف عليه: وحدة الصف الكردي.

خطاب جبار العكيدي من هولير، حول مشاركة (بيشمركة روج آفا) في تغطية الأرض وسد الفراغ، هو طمأنة بطعم الهزيمة الكردية، من جهة كان المأمول شعبيًا والمنتظر سياسيًا أن تلجأ قيادات الاتحاد الديمقراطي و(مسد) إلى طلب دخول تلك القوات، لا الاستعداد للوقوف في وجههم لو عادوا إلى بيوتهم للدفاع عنها، ومن جهة ثانية هو الخطاب الذي شكّل، نوعًا ما، ارتياحًا شعبيًا للدور الكردي في مرحلة المنطقة الآمنة.

تفكك المجتمع الكردي اليوم، بات من أصعب التحديات التي ستواجه أيَّ سلطة مستقبلية للمنطقة، فسلسلة المواجهات الإعلامية والخطابية، والقليل من الصدامات الميدانية البسيطة (كتظاهرات المجلس الكردي ضدَّ مناهج الإدارة الذاتية) كانت كفيلة بفك ارتباط العلاقات الاجتماعية، وربما العائلية أيضًا. ما يعني أن المرحلة المُقبلة، إن لم تشهد ما يُطمئن الجميع؛ فلن تكون مرحلة تمتاز بالاستقرار.

فيما راحت طبقة المثقفين والكُتّاب والأكاديميين التي تغيّرت نحو الأفضل إلى حد كبير، نتيجة الانبلاج الفكري لدى فئات واضحة بعد تراكم معارفها، راحت تفتقد هي الأخرى دورها الواجب توفره، بمفاعيل سلطوية وحزبية، رأت فيهم الشيطان الأكبر. خصوصًا أن الهوس التنظيمي أطاح فكرة تطوير الحيز الثقافي والرمزي لقسم ليس بقليل من السياسيين الأكراد، والمواجهة الثانية بين الطبقتين كانت حول تلهف الكفاءات لمزيد من الحريات والديمقراطيات والمساحات السياسية، والخروج بنظام مجتمعي عادل، مقابل تركيز الآخرين على عمليات الطمس والإلغاء للمختلفين، وضرورة التذكير بهذه المعضلة سببه أن من يمتلك القوة الصلبة؛ سيتمكن من السيطرة أكثر على مصادر القوة البشرية.

ثمة “فستان أو دشداشة” تم تصميمها وخياطتها للمنطقة ومكوناتها، عبر أذرع دولية، وفق ما يُستفاد من الخرائط الجديدة، ومن أراد أن يُصبح جسمه السياسي (لبيسًا) فما عليه سوى أن ينحت جسده حسب مقاسات الخياط، لا وفق سُمنته أو اكتناز أردافه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

Close
Close