مقالات الرأي

صناعة الإرهاب

القول بأن ما تفعله الطائرات الروسية وطائرات النظام في إدلب وأريافها، وطائرات التحالف شرق الفرات، هو مكافحة للإرهاب، إنما هو تزييف للحقيقة وزعم كاذب ووقح، بل على العكس تمامًا، إن ما يفعلونه هو إرهاب دولة مُنظّم وممنهج وجرائم حرب، حسب المعايير الدولية.

يجب أن لا يقبل العالم أن يقوم طيران العدوان الروسي وطيران التحالف، بحملات إبادة عمياء على الحواضر السكنية المأهولة بالسكان المدنيين الأبرياء، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، فهذا عار كبير، يجب أن لا تصمت عليه الدول المتحضرة والمنظمات الدولية التي لا تتوقف عن التشدق بحقوق الإنسان وتُصدر القوانين والتشريعات، فليس هناك مجتمع من المجتمعات يرحب بالإرهاب والإرهابيين، وليس هناك خلاف مجتمعي أو دولي، حول ضرورة مكافحة الإرهاب، واستعادة الأمن والحياة السليمة للمجتمع السوري الذي ما زال يعاني، منذ سنوات سبع، من الإرهاب المزدوج: إرهاب الدولة وإرهاب المنظمات الإرهابية التي جندت بعضها الحكومة، لتجد مبررًا للقضاء على الرافضين لها ولسياساتها، وقد ثبت ذلك في أكثر من موضع، عدا عن تصرفات هذه التنظيمات على الأرض.

لقد بات من الضروري أن يكون هناك تشريعات أممية جديدة تُعرّف الإرهاب بوضوح لا لَبْس فيه، وأن تُحدد تلك التشريعات الوسائل والأدوات التي من الممكن استخدامها لمكافحته، على أن تلحظ تلك التشريعات أن إنقاذ حياة شخص مدني واحد أهمّ بكثير من القضاء على عشرات الإرهابيين، في أي مكان وزمان، علمًا أن حياة المدنيين محترمة في الغرب، ولاحظنا ذلك من خلال معالجة السلطات لحالات الاختطاف، حيث تجتهد السلطات في الحرص على حياة الرهائن المختطفين معطيةً ذلك الأمر غالبًا أولوية قصوى، على حساب إلقاء القبض على الإرهابيين أو الخاطفين، وهذا هو المنطق، ومن غير المقبول قتل المدنيين بحجة تحريرهم من الإرهاب، وليس من المقبول كذلك استعادة رقعة جغرافية على حساب دماء المدنيين الأبرياء.

إن استخدام القوة النارية المُفرِطة والعمياء هو سبيل لصناعة الإرهاب، لا سبيل لمكافحته بأي شكل من الأشكال، ولا يمكن لعاقل أن يصدق بأن الصواريخ المقذوفة من الطائرات والبوارج الحربية لا تقتل سوى الإرهابيين، فمنذ سنوات، لا نرى، بعد كل قصف للطيران أو من البوارج الحربية، سوى جثث المدنيين أطفالًا ونساءً تحت الأنقاض، وليس ثمة عاقل في هذا العالم يقتنع بأن استهداف المشافي وقصفها ليلًا، يندرج تحت عنوان مكافحة الإرهاب، بل هو الإرهاب بعينه.

إن ما يجري اليومَ، في أكثر من مكان في شمال سورية وشرقها، من قتل منهجي للمدنيين، ودفعهم إلى ترك منازلهم واللجوء إلى العراء في هذا الطقس البارد، هو جريمة حرب مدانة، حسب كل القوانين والأعراف والشرائع السماوية وغير السماوية، وإن نتائج هذا القصف لن تقضي على الإرهاب في المديين القصير والمتوسط، وإنما تُساهم في خلق بيئة حاضنة للإرهاب، فمن خسر زوجته وأطفاله تحت أنقاض منزله، لا يستطيع كائن في العالم أن يمنعه من تفجير نفسه كقنبلة بشرية، إن أراد أو استطاع ذلك، ولا يمكن لأحد أن يُبرر له أن زوجته وأطفاله قد رحلوا كضحايا هامشيين، على هامش الحملة على الإرهاب وفي طريق مكافحته، وهذا العذر القبيح يُذكّرنا بتبرير حسن نصر الله، لإبادته للقصير ويبرود والزبداني، بأن تلك الإبادة قد حصلت في سبيل الوصول إلى القدس وتحريرها، حتى كفر السوريون بالقدس والقضية الفلسطينية بحالها.

على العالم اليومَ، الوقوف صفًا واحدًا في وجه جرائم الحرب التي يرتكبها المحتل الروسي، وأن يقول الجميع لروسيا: كفى، لن نسمح بمزيد من المجازر في سورية. هذا البلد الذي دفع الكثير بسبب إرهاب السلطة المباشر وغير المباشر، وقد آن الأوان كي تلتزم روسيا بالشرعية الدولية، وأن لا تمارس دورًا في سورية كدولة احتلال وكعصابة مارقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق