سلايدرقضايا المجتمع

مافيات وأباطرة مال يدفعون سورية نحو الحضيض

قبل أن يصل إلى “النشوة” التي قال ذات مرّة إن سببها حربُه المزعومة ضد الفساد، كان يتعين على رئيس الحكومة عماد خميس أن يكشف لنا هل كانت اللذة التي يستمتع بها ناجمة عن مواجهة فساد النظام، أم فساد الدولة “مؤسسات وإدارات” أم فساد أشخاص منحهم الأسد فرصة الإثراء، أم عن إعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة، وتوزيع الثروة بشكل عادل؟!

بحسب التصريحات التي نشرتها وسائل الإعلام، تتضارب الرواية؛ فقد نفى خميس، أولًا، أن تكون سورية دولة فاسدة (ولو كنا كذلك لما انتصرنا). وبعد أربعة أشهر، أكد ذلك في “ملتقى رجال الأعمال السوريين” بالقول: “لن أسمح بوجود رجل أعمال فاسد، ولا حتى موظف فاسد”. وفي تصريح ثالث، قال لصحيفة موالية: “إننا جادون في ملف معالجة الخلل والفساد، وهذا الملف له أهمية كبيرة، وهو موجود دومًا على طاولة عمل الحكومة، وباهتمام وتوجيه خاص من رئيس الجمهورية، من أجل إنجاز خطوات عملية في معالجته”.

يختصر استثناء رأس هرم السلطة وعائلته ورجاله وقيادات نظامه، من محتوى الصندوق الأسود للفساد، طبيعةَ المواجهة؛ فقد اتسمت الحملات -منذ عهد الأسد الأب- بشكلانية الحركة وعدم صدقيتها. وغالبًا ما كانت تستهدف -كما العادة- فئات غير ذات أهمية في القطاع الرسمي، وقطاع رجال الأعمال، والسلك الوظيفي.

ومن الواضح أن النظام الذي يحكم البلاد بعقلية إقصائية نفعية محمية، تتميز بالعنف السلطوي، لن يسمح لأحد بأن يسحب الغطاء عن رموزه ويحاسبهم، أو أن يفكك فساد أجهزته التي تنتشر فيها مظاهر الرشوة، والاحتيال القانوني، وغسيل الأموال على نطاق واسع، وسيظل البلد رهن قوة مافيوية مسيطرة، تحظى بامتيازات مذهلة، وأباطرة مال جدد اختطفوا الدولة واستغلوا أصولها لمصلحتهم.

إن استبعاد الدكتاتور الوريث عن لائحة الفساد أشبه بنكتة ساذجة؛ ففي برقية سرية يرجع تاريخها إلى 24 كانون الثاني/ يناير 2008، نقلت السفارة الأميركية ما يشير إلى أن الأسد (الذي يوجّه لمحاربة الفساد، وفق رئيس حكومته) يعتمد في تحريك أمواله، وتحقيق مكاسبه غير المشروعة، على أربع شخصيات سورية: زھير سحلول، نبيل الكزبري، محمد مخلوف، فواز الأخرس. وكشفت قضایا كبيرة مثل “اختفاء عائدات النفط”، و”استثمار شبكة الهواتف المحمولة” و”احتكارات السوق” و “العمولات والرشاوى الداخلية والخارجية التي يتم تقاضيها”، حجمَ هذا التورط، وانعكاساته الخطرة؛ حيث حرم الاقتصاد السوري من ملیارات الدولارات، التي تحولت في الخفاء إلى جیوب قلة، أو إلى ملاذات آمنة، على حساب أغلبیة تنوء تحت وطأة أزمات معيشية خانقة.

في مؤشر مدركات الفساد، الذي أصدرته (منظمة الشفافية الدولية) مؤخرًا. احتفظت سورية بالمركز ما قبل الأخير، وأضاف ترتيبها إلى جانب الدول الأكثر فسادًا في العالم: (الصومال، جنوب السودان، كوريا الشمالية، اليمن) دلائلَ إضافية، فباستثناء التهرب الضريبي، والتدفقات المالية غير المشروعة، وتبييض الأموال، والاقتصاد غير الرسمي -وكلها تشكل أرقامًا صادمة في حصيلة الفساد- اعتمد التقرير في تقييمه للمرتبة 179/ 180 التي احتلتها سورية عالميًا، على استقصاءات وتقييمات لظواهر الرشوة، واختلاس المال العام، واستغلال المنصب، وضعف الحكومة، وبيروقرطيتها، والمحاباة في الوظائف الحكومية، وعدم وجود ملاحقات قضائية جنائية حقيقية للمسؤولين الفاسدين، إضافة إلى عدم وجود قوانين كافية تتعلق بالتصريح عن الممتلكات والذمة المالية للمسؤولين، وسيطرة أصحاب المصالح الشخصية على الدولة، وأكدت النقاط الـ 13 من أصل 100 التي حصلت عليها -وهي تمثل الدرجة الأخطر فسادًا- الدورَ الذي لعبته النخب المسيطرة في تفشي الظاهرة، وإضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية، وتغييب حكم القانون، والتقليل من فرص التنمية، ومن ثم إفشال مسعى المجتمع المدني لتداول السلطة بشكل سلمي. وهو ما بدا واضحًا خلال العقد الأخير من حكم الأسد؛ إذ تراجعت المؤشرات الكبرى، كالدخل القومي، والميزان التجاري، وسعر صرف العملة الوطنية، وتصاعدت الضغوط الاجتماعية، بسبب تدني مستويات الحياة، إلى مستوى الحاجة والفقر المدقع، وعاشت البلاد صراعًا سياسيًا دمويًا، أطاح تمدنها عقودًا عديدة.

إن التصميم على استمرار الأمر الواقع، والحفاظ على منظومة الفساد، برموزها وشبكاتها، سوف يجعل من محاولة إصلاح النظام، وتحويله إلى نظام حكم صالح  (إدارة السلطة لشؤون المجتمع باتجاه تطويري وتنموي ونقدي)، يؤمن بالتشاركية والشفافية والمساءلة وسيادة القانون والإنصاف (العدالة والمساواة)، مهمةً مستحيلةً؛ حيث إن كبار القادة، والأطراف الفاعلة المتورطة في عمليات غير مشروعة، تدين بملاءتها المالية لرأس السلطة، ولديها من الحوافز ما يكفي لكي تتمسك به وبإرثه، وتتشبث بالسلطة بأي وسيلة، وتقاوم كل تغيير يستهدف الوضع السائد وداعميه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق