هموم ثقافية

المختصر غير المفيد!

من مساوئ التعامل مع الأعمال الأدبيّة على اختلاف أجناسها، تلخيصُها! يجري ذلك على قدم وساق من قِبل نُقاد وصحافيين من دون أيّ مراجعةٍ يقومون بها لما يفعلون، أو تفكيرٍ في آثار تلخيصهم ونتائجه السلبيّة للغاية، سواء على القارئ -غير المطّلع على العمل- أو على جهود المؤلف المبذولة في بنائه الدقيق للعمل الأدبي.

“تحكي الرواية عن …” ثمّ يمضون في تبيين موضوعها ووقائعها وشخصيَّاتها الرئيسة وما تنتهي إليه. “يتناول العرض المسرحي …” ثمّ يُخبرون المشاهد -الذي لمَّا يشاهد بَعْدُ- بموضوع العرض، ومحتواه، والصراع بين الشخصيّات المحوريّة، وأسبابه. وفي الشعر “تُركّز القصيدة على …” ثمَّ يُقشّرون موضوعها ويُعرّون همَّها ورموزها واستعاراتها، مُقتبسين منها أبرز مقاطعها. أمّا بؤرة التشويه فتتجلّى إزاء القصص، إذ، على الرغم من قصرها النسبيّ، نجد مَنْ يُوجز موضوع كلّ قصّة على حدة، ويكشف أحداثها، مُخبرًا عن مآل الشخصيّة فيها، وغالبًا ما تكون مُفردة.

ومن حيث يسعى الكاتب لإحكام إيقاع العمل ورسم خطوط مساره، عَبْرَ إظهار ما يُريد إظهاره، ومواربة ما يرى مواربته، وتأجيل ما يرغب في عدم الكشف عنه بدايةً… وغير ذلك الكثير ممّا يندرج في السياق المعماريّ الفنيّ؛ يأتي مَنْ يهدم ذلك كلَّه، بعرضه عرضًا فجًّا ومباشرًا، كما لو كان مُذيعًا يقدّم موجزًا للأخبار، أو شرطيًّا يُسطّر ضبطًا بحادثٍ مروريّ وقع.

ومن حيث يُفترض أنْ يُسعَد القارئ -كما رسم له الكاتب- في قراءة العمل الأدبيّ، وأنْ يتدرَّج -صفحة إثر صفحة- في الكشف عن الأحداث، والتحوّلات، والتداخلات، والمآلات وفقًا لمخططٍ، وأنْ يبقى مُتسائلًا ومُنجذبًا إلى متابعة القراءة حتى ختام النصّ؛ يأتي مَنْ يفضح أمامه -بخفَّة عجيبة حقًا- لعبةَ الفنّ، فيُبلِغه عن كل مستور ومُوارب ومُؤجَّل، مُعرّيًا العمل من فنّياته ببضعة أسطرٍ في مقال.

ذريعة هؤلاء أن القارئ يجب أن يعرف عمَّا يتحدَّثون في مقالاتهم، لكأنَّ الكتابة عن العمل الأدبيّ تُجيز هدم معماره وفنّياته ونسقه، وتُوجِب التعامل معه كبحث اجتماعيّ أو تحليل سياسي أو دراسة اقتصادية أو إلى ما هنالك مما هو في غير ميدان الأدب وعوالمه وخصوصيَّاته.

وما يؤكّد الذرائعيّة في ما يظنوّنه سببًا وجيهًا ومُوجبًا، أن ثمّة العديد من كتابات النقاد تنحو منحًى مختلفًا تمامًا، إذ تعمل بدربةٍ وحنكة وحسّ ثقافيّ عالٍ على جذب القارئ، وترغيبه في الاطّلاع على العمل الأدبي من دون القيام بإيجازه وتلخيصه وتشويه معماره. فعلاوة على كون المُلخَّص لا يُغني -بأيّ حال من الأحوال- عن قراءة نصّ العمل ذاته، فإنَّه يُشوّه بنيته وقوامه وتسلسله، بحيث يذهب القارئ إلى العمل الفني وهو يعلم -مسبقًا- موضوعه ومضمونه ووقائعه وتحوّلات شخصياته ومصايرها.

لا معنى للتلخيص، ولا ضرورة له، ولا فائدة تُرجى منه، لا إزاء النصوص الأدبية، ولا إزاء المرئي من أفلام سينمائيّة وتلفزيونيّة وعروض مسرحيّة، ولا إزاء معرضٍ يضمّ لوحات أو منحوتات أو صورًا فوتوغرافية؛ إذ ما الحاجة إلى معلومات عن عمل وُضِع ليُقرأ هو نفسه، أو ليُشاهد، أو ليُسمع.. حتى لو كان مجرَّد رسالة؟ أليست قراءة هذه الأخيرة هي الأصل وليس الإخبار عن مضمونها وفحواها؟ فكيف الحال إزاء منجزات الفنون على تنوّعها!

ثمّ، ألا يُذكّر تلخيص الأعمال الأدبيّة بما درجت عليه قنوات رياضيّة من عرض مُلخّصٍ في خمس دقائق لمباراة كرة قدم -مثلًا- بغية إعلام المُشاهد أن الكرة رُكلت ومُرّرت وتقافزت وتُبودِلت وخرجت ولُمست، وسُجّلتْ أهدافٌ في شباك مرمى الفريقين!؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق