أدب وفنون

اليوتوبيا.. الملاك السيئ

بموازاةِ كل جسد واقعي، يولد جسد طوباوي.

في “لوحة الفتى دوريان” للكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد، يدفع الخوف من الزمن دوريان غراي إلى أن يتمنى من كل قلبه أمنية: “آه لو تشيخ اللوحة بدلًا عني، سوف أعطي كل شيء. سوف أعطي روحي”.

وكما يحدث في الحكايات السعيدة تتحقق الأمنية، إلا أن الأمور -من سوء حظِّه- لا تتم في اتجاهٍ واحد. فاللوحة ستحمل عنه آثار الزمن، ومع كل يوم يمرّ تهرم اللوحة وتزداد تشوهًا، بينما يحتفظ دوريان بالشباب والجمال ويرتكب كل الفظاعات.

دونما قصد، يخون أحد أوفى تلاميذ سقراط -أفلاطون- بصيرة أستاذهِ وحكمته، ويكون تجرع سمّ الشوكران محرضًا قويًا له؛ ليبتكر عالم المُثل. دون أن يفطنَ التلميذ إلى أنَّه بمحوه الجسد يمحو الذاتية، ويخالف تعاليم المعلم!

فالطالب المخلص لم يحتمل موت معلمه. ولاذَ بعالم مفارق أطلق عليه “مَسْكَن الأرواح”؛ ناسبًا الحقيقة -كل الحقيقة- إليه، رافضًا عالم الجسد باعتباره زيفًا وضلالًا.

بعد زمن، كتب ميرلوبونتي: “أي محوٍ للجسد يقابلهُ محوٌ للذات”

إن كل يوتوبيا، سواء أكانت مكانًا متخيلًا، أم جسدًا خارقًا ومشتهى. هي بحسب فوكو “مكان بديل“. وفي هذا الفضاء يخلق بورخيس “بلدانًا بلا أماكن ولا تواريخ، مدنًا وكواكب وقارات، وهذه الأماكن ولدت في رأسه، ولا أثر لها على الخريطة الجغرافية”. فوقائع العالم بنظره ليست سوى نقطة انطلاق.

باحثًا عن خير العوالم، يزجُّ فولتير ببطله كانديد* في رحلة تشبه سقوط آدم من الجنة، فكلاهما تذوق الثمرة المحرمة. آدم من شجرة المعرفة، وكانديد طرد من القصر، بسبب تذوق شفاه معبودته كونيغوند. لاحقًا؛ سيمضي آدم حياته الأرضية في توقٍ مُتقِد إلى المكان الذي طرد منه، ويقضي كانديد سنوات كثيرة في البحث عن “خير العوالم الممكنة”.

وكما يكون الافتقار إلى العدالة عند دوبلن برهانًا على وجود واقع آخر، فالجسد الحقيقي يبحث عن المواساة في جسد طوباوي؛ “فهذا المكان عديم الرحمة يخلق كل أنواع اليوتوبيات التي صارت ضده، بل تهدف إلى محوه”.

من الخزي والحرمان وقهر الجسد، تولد اليوتوبيا، هذا ما يراه صاحب “الكلمات والأشياء“. وهو يعتقد أنها -أي اليوتوبيا- ما إن تمسّ أي شيء حتى يختفي. شبيهة بوحش فرانكنشتاين الذي يتغذى على حياة مخترعه.

في المتخيل الديني، بينما يُعَاقبُ الجسد الأرضيّ على اللذّات التي يقترفها، ثمة وعدٌ بمُتع متجددة ونساء جاذبيتهن تفوق الوصف. نساء لا يبلغن سن اليأس، وتتجدد عذريتهن كلما انفضّت. في مقابلِ هاتهِ النساء تشيخُ النساء الدنيويات، ويصبحن عنيفات وغير ودودات، حين يداهمهن الطمثإنهن نساء ملعونات من نسل حواء”.

لا خلاص من اليوتوبيا. فقدر الكائن أن يبتكر أنظمة اجتماعية و”مدنًا ساحرة وناعمة”. وأجسادًا طوباوية. لا نتخلص من اليوتوبيا إلا بالموت. هذ الوجه الأول من المسألة. الوجه الآخر: هو الحب “الحب مثل الموت يهدئ يوتوبيا جسدكم، إنه يسكتها ويعيد إليها هدوءها”، وكما تُظهِرُ اللغة الأشياء وتنيرُ الموجودات. يحضر الجسد بكليته في الفعل الجسدي.

في “ساعي بريد نيرودا” لأنطونيو سكارميتا، يتحول الفعل الجسدي إلى استعارة شعرية، وظيفته تتجاوز الحب لتعبِّر عن عمق الوجود، فالجنس هنا “ليس فقدانًا للوعي بل استرجاعًا له“.

يُظهر المقطع المعنون “اغتسالات دون ريغوبيرتو”، في امتداح الخالة لماريّو بارغاس يوسا، وهمَ اليوتوبيا. لقد كان ريغوبيرتو عضوًا في منظمة العمل الكاثوليكي. وكان يحلم بتغيير العالم، وسرعان ما أدرك أنّ السعادة الحقيقية هي في هذه السنتيمترات؛ في المكان المخصص للعناية بجسده من أجل محبوبته دونيا لوكريثيا. وهو يبدو وكأنه يملك العمر كله، فيخصص يومًا للأذنين وآخر للأسنان، يومًا للعناية بالإبطين ويومًا للأنف.

كتب فوكو: “في غمرة الحب، الجسد الحقيقي والخيالي يتحاوران”.

تعرض كانديد الساذج لكلِّ أنواع المحن، من سرقة وضرب وسلب لنقوده. ليكشف للقارئ أن لا وجود لخير العوالم، وأن أفضل عمل يقوم به الإنسان أن يعتني بحديقته. ولربما تكون الحديقة هي جسدنا!

لقد مزق دوريان اللوحة بعدّة طعنات؛ لأنها سرقت منه حياته وآثامه وخطاياه.

قبل أن يفرّ وحش فرانكنشتاين إلى بغداد -حيث سيلتقي أحمد سعداوي، ويتجول برفقته في أزقة بغداد للانتقام من القتلة- ينحني فوق جثة فيكتور الذي صنعه قائلًا: “كنت يجب أن أكون آدم الخاص بك، لكنّي بدلًا من ذلك كنت الملاك السيئ”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close