هموم ثقافية

الرواية الأخيرة في سيرة علاء مشذوب

لست بصدد رثاء الدكتور علاء مشذوب، فالرثاء الحقيقي يحتاج إلى صدق عاطفي، وأنا لا أعرف الرجل شخصيًّا. ولا أنا بصدد كتابة تعريف به، فالمعروف لا يُعرّف. أريد ببساطة أن أرثي الفكر التنويري، أن أرثي إيماننا بنور العقل، وقدرته على اختراق الظلام. أريد أن أقتحم سكونه؛ وسكينته، وأقول له: (لم يعد العراق يبحث عن حزن على مقاس قدميه لينتعله)، إنه بحاجة إلى جلباب حزن، فبرد الموت قتلًا يصيب القلب، وليس القدمين. علاء مشذوب يشبه الحياة، وعراق اليوم يشبه الموت! خطّان متوازيان يبحثان عن رصاصة ليلتقيا، فأهداهما العراق ثلاث عشرة رصاصة، وكأن جسد العراق بحاجة إلى ثقوب أخرى! لقد قتلوا المرسل، بعد أن استحال عليهم قتل الرسالة. سيتسرب حمضها النووي إلى كل من يقرأ كتبك يا صديقي. لقد سقط الوهم، واكتشفنا أن الخلاف على تصنيف الزمن، وفق الإنتاج الأدبي، تصنيف خاطئ، لسنا في زمن الرواية يا صديقي، إننا في زمن راجمات الفتاوى الفقهية، التي لا تفقه! والعراق –في كل يوم– يرتطم بالحقيقة ويفقد صوابه. وأنت صواب العراق، وعينه؛ ولسانه. أليس غريبًا أن تتحول إلى خبر في فم المصادر الأمنية، وكأنهم يريدون أن يقولوا لنا جميعًا: أيّ واحد منكم يمكن اختصاره برصاصة، وخبر في فم المصادر الأمنية، خبر يُنسب إلى مجهول (قال مصدر أمني: إن مسلحين مجهولين أطلقوا النار على الكاتب والأديب علاء مشذوب الخفاجي، بالقرب من منزله في شارع ميثم التمار، وسط محافظة كربلاء)، علمًا أن بيته يقع ضمن الطوق الأمني المشدد للمدينة القديمة! ثلاث عشرة رصاصة تلقّاها وهو في طريق عودته من مقر اتحاد الكتاب والأدباء في كربلاء، بعد تلقيه مكالمة هاتفية.

منذ صرختك الأولى في وجه الحياة عام 1968، أدركت أرض السواد أنّك وجهها الأبيض. وقد كنت عند حسن ظنها بك. فكانت كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد محطة المعرفة التي حطت فيها رحالك، لتنال منها شهادة الدكتوراه 2013- 2014. في عام التخرج كان المشذوب يبحث عن شاهد آخر، فكتب روايته الأولى (مدن الهلاك- الشاهدان)، ومن ثم (فوضى الوطن)، و(جريمة في الفيس بوك)، و(آدم سامي-مور).

 

كما صدر له “ربما أعود أليك” (مجموعة قصصية)، 2010، “زقاق الأرامل” (مجموعة قصصية)، 2012، “بحوث ودراسات في السينما والتلفزيون”، 2012، “خليط متجانس” (مجموعة قصصية)، 2013، “توظيف السينوغرافيا في الدراما التلفزيونية”، 2013، “الحداثة وفن الفلم”، 2015، “الصورة التلفزيونية (الألفة، الفرجة، التكرار)”، 2015، “تأويل التاريخ الإسلامي في الخطاب الدرامي التلفزيوني”، 2016، “مقاربات نقدية في الصورة السينماتوغرافية”، 2016، “الصورة التلفزيونية من الهيولي إلى الصوفية”، 2016. وأخيرًا حصل على جائزة كتارا للرواية العربية عام 2018. في تلك الفترة، كان العراق يعد المآسي على أصابع يديه، وقد طوى كل الأصابع، فالتفت إلى قلمك! أليس هو إصبعه الحادي عشر؟! هم يعرفون أن المسافة بينهم وبين خيالك، تحتاج إلى عينين بريئتين، تذهب بهما الأحلام إلى أبعد من الظلام، فخافوا أن تصل إلى شمس حقيقتهم القاتلة. إنه مصير كل من يحاول تغيير أنظمة الفوضى التي اجتاحت العراق منذ سقوط بغداد.

ها هو العراق اليوم يجوس بأنامل قلبه كل البرد الذي مرّ على القشرة الأرضية. لقد حدثت كل التوقعات، ولم يبق ما يمكن أن يخشاه العراقيون في المستقبل. تلك هي قصة العراق الذي لم يجد البكاء الذي يحتوي حزنه.

وداعًا صديقي؛ إنني أكاد أن أرى تلويحة يدك الذاهبة إلى حياة أخرى، لا أدري أكانت فيها شمس، أم هي مجرد بئر مظلمة. وداعًا، صديقي. أقولها قبل أن يبرد الجرح، ويتحول الألم إلى مجرد ذكرى.

لقد قال العراقي كلمته، وانتهى الأمر: (اتركوا الأبواب مشرّعة، فات الأوان على إغلاقها/ عانقوا أحبتكم؛ فقد لبس الموت عمامته، وتوكّل على الله).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق