سلايدرقضايا المجتمع

الحسكة.. تردي الواقع الصحي يفاقم معاناة المدنيين

تعاني محافظة الحسكة تردي الواقع الصحي، خلال السنوات الماضية، نتيجة التأثر بواقع الصراعات التي شهدتها المحافظة منذ عام 2012 حتى اليوم، وينعكس ذلك سلبًا على حياة المدنيين الذين يعانون، إلى جانب ذلك، ضيق ذات اليد بسبب ظروف الحرب والجفاف الذي مرّ بالمحافظة، ويُعدّ القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضررًا في المحافظة، وسط غياب المسؤولية من سلطات الأمر الواقع.

عدد المشافي الحكومية في محافظة الحسكة هو خمسة، يعمل منها حاليًا مشفيان اثنان فقط، في الحسكة والقامشلي، فيما تضم المحافظة 26 مشفًى خاصًا: 11 منها في مدينة القامشلي وحدها، كما يوجد 76 مستوصفًا، بحسب (المكتب المركزي للإحصاء) التابع للنظام.

وأشار المكتب إلى أن محافظة الحسكة كانت تضم، حتى عام  2016 “ما يقارب 1400 طبيب و513 صيدلانيًا، فيما بلغ عدد المرضى الذين راجعوا أقسام الإسعاف في المشافي عام 2016 أكثر من 42 ألف مريض، وأُجريت أكثر من 9600 عملية جراحية، في المشافي العامة والخاصة في المحافظة، خلال 2016”.

لكن معظم المشافي العاملة حاليًا تفتقر إلى الأجهزة الحديثة، وتعاني مشكلات عديدة، منها تعطل بعض الأجهزة، والانقطاع المتكرر للكهرباء، وقلة الأطباء، والارتفاع الكبير في الأجور التي تثقل كاهل المرضى، فيما يتم تحويل عدد من المصابين بالأمراض المستعصية إلى دمشق لإكمال العلاج، على الرغم من تكاليف السفر الباهضة، وخاصة علاج الأمراض السرطانية التي انتشرت كثيرًا في المحافظة، خلال السنوات الماضية.

معظم أطباء المحافظة، وبخاصة أصحاب الخبرة والكفاءة، هاجروا إلى تركيا ودول أوروبا، بسبب تردي الأوضاع الأمنية، وتعرّض بعضهم للخطف والاعتقال، إضافة إلى أن معظم المجازين الشباب يلجؤون إلى السفر هربًا من الخدمة الإلزامية، وقد أحدث ذلك مشكلة حقيقة في القطاع الصحي، كما أدى النقص في وجود أطباء القلب وجراحة العيون والأمراض السرطانية، إلى اضطرار المرضى إلى السفر إلى العاصمة دمشق.

مدينة القامشلي، خاص جيرون 2019

يقول الدكتور محمد محسن، في حديث إلى (جيرون): “فكرة السفر لم تفارقني لحظة واحدة، ولولا رفض الأهل لهذه الفكرة؛ لكنت الآن في إحدى الدول الأجنبية. نحن نعاني هنا كثيرًا، خصوصًا بعد توزع السيطرة في المنطقة بين النظام و(الإدارة الذاتية) حيث شكلت الأخيرة ما يسمى (اتحاد أطباء مقاطعة الجزيرة) وطلبت منا -الأطباء- الحصول على ترخيص مزاولة مهنة، بعد التسجيل في نقابتهم، وهذا الأمر جعلنا عرضة لسحب الاعتراف بشهاداتنا من قبل (نقابة الأطباء) لدى النظام”.

يضيف محسن: “هناك مخاطر أمنية تطال الأطباء، خصوصًا في حالات الإسعافات الليلية، وهناك أطباء مجازون حديثًا ساقتهم (وحدات حماية الشعب) إلى ما يسمى واجب الدفاع الذاتي، ومنهم من هو مطلوب للتجنيد أو الاحتياط، عند النظام السوري”.

أما الأطباء الشباب المجازين حديثًا من جامعات النظام، فلم يتمكن معظمهم من أخذ شهادته في الطب؛ بسبب اشتراط النظام أن يخدم في المنطقة ست سنوات، وبهذه الطريقة لن يتمكن مَن يهاجر من العمل في اختصاصه، بسبب عدم وجود شهادة؛ ما دفع البعض إلى الهجرة إلى السودان أو الصومال، والعمل هناك في مهنة الطب بأجور متدنية، هربًا من الواقع الأمني في المحافظة.

إلى ذلك، رأى الدكتور محسن أن “ندرة عدد الأطباء في المحافظة أدت إلى بروز ظاهرة الشهادات المزورة”، وقال: “بدأ بعض الناس ينتحل صفة الطبيب، وقد حصل ذلك في منطقة رأس العين، حيث انتحل أحدهم صفة طبيب، وادعى أنه درس الطب، بينما هو لا يحمل سوى شهادة معهد زراعي، ولكن لديه خبرة في التمريض اكتسبها إبان خدمته العسكرية، وهذا يظهر مدى هشاشة الرقابة، والإهمال الذي يتعرض له هذا القطاع المهم والمؤثر في حياة الناس”.

في ظل الأزمة الاقتصادية وتردي الأوضاع المعيشية للمدنيين في المحافظة؛ يصطدم الناس بعقبة أخرى تتمثل بارتفاع أجور معاينة الأطباء ارتفاعًا كبيرًا، بسبب قلة عددهم، وفي ذلك تقول (أم عيسى)، وهي ممرضة من سكان مدينة القامشلي: “أجور المعاينات مرتفعة جدًا، بالقياس إلى الوضع الاقتصادي، حيث قفزت الأجرة من 500 ليرة قبل 5 سنوات، إلى 3000 ليرة أو أكثر. وأجرة المعاينة المحددة هي 2500 ليرة، ولكن -مع الأسف- لا أحد يلتزم بذلك، قد تصل أجرة المعاينة، عند بعض الأطباء المشهورين في المحافظة، إلى 4000 ليرة، وهو مبلغ كبير؛ إذا ما أضيف إلى قيمة الوصفة الدوائية التي لها غصة أخرى في قلوب الناس”.

القامشلي، خاص جيرون 2019

قالت (صحيفة الحياة) اللندينة، في تحقيق نشرته عام 2017: إن “الإصابات بأمراض السرطان في المحافظة ازدادت بنسبة بين 75 – 100 في المئة، خلال السنوات الخمس الماضية، في القامشلي والحسكة”، فيما وثق التحقيق شهادات طبية أثبتت أن “عدد مصابي الأمراض التنفسية في المحافظة ازداد بشكل كبير جدًا، نتيجة تلوث الجو الذي تسببه انبعاثات (حراقات النفط) البدائية”، زيادة هذه الأمراض يقابلها نقص في الأجهزة الحديثة، وعدم صيانة القديمة، نتيجة التكلفة الباهضة، وعدم اكتراث حكومة النظام باستبدالها، بحسب سكان المحافظة. (لمعرفة مزيد من التفاصيل، راجع تقرير جيرون: سرطان النفط القاتل البطيء)

وأعلنت (الإدارة الذاتية) منتصف الشهر الماضي، افتتاح أول مشفى مختص بأمراض القلب والعين في مدينة القامشلي، ونقلت وكالة (سمارت) عن المدير الإداري للمشفى محمد كرمو، أن المشفى يضم الأقسام التالية: (طبقي محوري، جهاز أشعة، مخبر، إسعاف، صيدلية، العناية المشددة، العمليات القلبية والشبكات، العينية بجميع الأجهزة المتطورة) وهو يعمل بطاقة استيعابية 30 سريرًا، وبتكلفة وصلت إلى ستة مليارات ليرة سورية.

على صعيد الإمدادات الدوائية، نقلت وكالة أنباء النظام (سانا) منتصف الشهر الماضي، أن “شحنة جديدة من الأدوية والمستلزمات الطبية المقدمة من منظمة الصحة العالمية، وصلت إلى مطار القامشلي، وذلك لدعم القطاع الصحي في المحافظة”، مضيفة: “إن إجمالي الكمية الواصلة تتضمن 2.4 أطنان من الأدوية والمستلزمات الطبية والأدوية، وسيتم توزيعها لمديرية الصحة والهيئة العامة لمستشفى القامشلي الوطني، وللوافدين من المحافظات الأخرى المقيمين في مراكز الإقامة”.

وعلى الرغم من هذه الإمدادات، ما زالت المحافظة تعيش أزمة دواء حقيقة، نتيجة ندرة الأدوية وعدم وصولها من العاصمة، فيما تغزو صيدليات المحافظة الأدويةُ المهربة غير معروفة المصدر، كما ازداد عدد الصيدليات غير المرخصة كثيرًا في المحافظة، حتى إن الدكاكين أصبحت تبيع الأدوية المهربة. وتسبب ذلك في حدوث حالات تسمم نتيجة انتهاء صلاحية بعض الأدوية، بينما يؤكد مختصون انتشار حالات الإدمان، وبخاصة على عقار (Sudafed).

أدوية مهربة، أحد مستودعات القامشلي، خاص جيرون 2019

يقول الصيدلاني حكمت، وهو صاحب صيدلية في القامشلي، في حديث إلى (جيرون): “يبدو أن هناك قرارًا سياسيًا بمنع إيصال الأدوية جوًا من دمشق إلى مطار القامشلي، فكان لا بد من ارتفاع التكاليف، عبر نقلها برًا، نتيجة دفع الرسوم للحواجز المسيطرة على الطرقات، وهي تتبع عدة جهات، والنصيب الأكبر يكون لحواجز منبج الفاصلة بين مناطق النظام ومناطق (الإدارة الذاتية)، وقد أدى ذلك إلى ندرة الأدوية والتسبب في ارتفاع جنوني في أسعارها، وخاصة أن جميع معامل الأدوية في مناطق النظام حاليًا، ولا يوجد أي معمل في الحسكة”.

يضيف حكمت: “وصلت نسبة الزيادة في سعر بعض الأدوية إلى 75 بالمئة، في حين كانت لا تتجاوز سابقًا 8 بالمئة، يضاف إليها هامش الربح البسيط للصيدلي، وقد فتحت هذه الزيادة في الأسعار شهيةَ تجار الحروب والأزمات والمهربين؛ فاستغلوا الأمر، وأصبح تهريب الأدوية الأجنبية رائجًا جدًا، حيث يتم جلبها من أوروبا والصين والهند، عبر تركيا وأقليم كردستان العراق، وقد أثقل ذلك كاهل المدنيين وأرهقهم ماديًا، إضافة إلى عدم الوثوق بهذه الأدوية”، وأشار حكمت إلى أن “نسبة تغطية الأدوية المحلية انخفضت إلى 38 بالمئة، خلال هذه السنوات، في حين كانت تصل إلى 86 بالمئة سابقًا، بحسب (المكتب المركزي للإحصاء)”.

محمد نزال، وهو مدني من سكان بلدة تل كوجر، قال لـ (جيرون): “بعد أن منع النظام نقل الأدوية عبر المطار؛ ازدادت معاناة الناس هنا، بينما قام أصحاب كثير من المستودعات، ممن يجلبون هذه الأدوية برًا، بتهريب الأدوية المحلية إلى العراق، نتيجة ارتفاع ثمنها، وقد أدى ذلك إلى أزمة نقص في الأدوية وارتفاع في أسعارها، بسبب اعتماد أصناف معينة مطلوبة، كخافضات الحرارة الفموية والوريدية وأدوية الحالات النفسية المطلوبة بشكل كبير للأمراض المزمنة، ما أنتج سوقًا سوداء للدواء”.

تتفاقم معاناة المدنيين يومًا بعد يوم، في محافظة الحسكة، من عدة نواح، نتيجة سياسات التضييق التي تمارسها سلطات الأمر الواقع المتمثلة بنظام الأسد و(الإدارة الذاتية)، لكن المعاناة من الناحية الصحية تزيد مخاوف السكان، بسبب تأثيرها الكبير في حياتهم وحياة أطفالهم، وسط مطالبات بتفعيل الرقابة على الأدوية والخدمات الطبية من قبل المنظمات الدولية، وبخاصة (منظمة الصحة العالمية)، لتخفيف آثار هذا الواقع المتردي قدر المستطاع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق