مقالات الرأي

في انتظار أميركا التي تنتظر نفسها

تفاءل معظمُنا بأوباما رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية عام 2009، واعتقدنا، تحت تأثير تفاؤلنا، أن قبول المجتمع الأميركي برجلٍ من ذوي أصول أفريقية زعيمًا لأول ديمقراطية في عصرنا الحديث، هو رسالة مفادها أن الولايات المتحدة مصممة على إعادة إحياء مبادرة الرئيس وودرو ويلسون، تلك المبادرة التي تجسدت في مبادئه الـ 14 الخاصة بحقوق الشعوب، وتنظيم العلاقات الدولية. وذلك من أجل وضع حد للحرب العالمية الأولى التي كانت نتيجة عوامل عدة، من أهمها: تنامي النزعة الإمبريالية من جهة، والقومية من جهة ثانية، إضافة إلى روحية التنافس بين الدول الكبرى، والمصالح الاقتصادية الخاصة بكل واحدة منها التي عبّرت عنها الرغبة في الاستحواذ على الممرات المائية، والمواقع الاستراتيجية، والمواد الخام، إلى جانب أسواق التصريف لضمان استمرارية دوران عجلة الصناعات الحديثة، وهي الصناعات التي كانت حينئذٍ في أوج تقدمها، بموجب مقاييس تلك المرحلة.

كان من الواضح أن تلك المبادئ لم تكن منذ البداية منسجمة مع المصالح البريطانية والفرنسية، وتلك المستجدة لألمانيا، لذلك ظلت مجردة مادة استلهامية، لم تُسفر في الواقع العملي عن النتائج المرجوة. فاستمرت الخلافات والصراعات، وكانت الحرب العالمية الثانية التي تُعدّ في واقع الأمر امتدادًا وحصيلةً للحرب العالمية الأولى.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتأسيس منظمة الأمم المتحدة التي جاءت لتتجاوز عثرات وانسداد عصبة الأمم؛ بدأت حقبة الحرب الباردة بين المعسكرين: الشرقي الذي تمترس خلف الأيديولوجية الاشتراكية، والغربي الذي تبنى النظام الرأسمالي والأيديولوجية الليبرالية وقضايا حقوق الإنسان.

مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وتحول الصين إلى اقتصاد السوق، كان هناك اعتقاد بأن التاريخ قد وصل إلى نهاياته، وأن النظام الرأسمالي بنموذجه الأميركي قد حقق انتصارًا نهائيًا، ولا سيما في أجواء العولمة وتعاظم هيمنة الشركات متعددة الجنسيات التي تمكنت من التحكّم في المال والأسواق والتكنولوجيا والبحث العلمي.

لكن في المقابل، كان هناك من يرى أن المرحلة الجديدة ستشهد صدامًا بين الحضارات المختلفة، ولن يكون النمط الرأسمالي المتمثل في اقتصاد السوق قادرًا على تحقيق الانسجام والتكامل بينها، على الرغم من التزامها بهذا النمط.

مع قدوم أوباما، كان الاعتقاد أن المرحلة الجديدة ستشهد حوارًا استراتيجيًا مفتوحًا بناء، سيتم بين المجتمعات الإنسانية بحضاراتها وثقافاتها المتنوعة.

وجاءت عبارات خطابه، في جامعة القاهرة صيف عام 2009 المنتقاة بعناية فائقة، وهي العبارات التي تميزت بجمالياتها البلاغية، وإيحاءاتها المستقبلية، جاءت تلك العبارات لتحمل ملامح مشروع واعد، على صعيد العلاقة بين الشرق والغرب، بين العالم الغربي بزعامة الولايات المتحدة، والمجتمعات الإسلامية تحديدًا.

إلا أن المعطيات العملية الملموسة التي تراكمت على مدى ثمانية أعوام من حكم أوباما، أسفرت عن نتائج معكوسة، مخالفة لتلك الوعود التبشيرية التي أتحفنا بها أوباما، ولا سيما في سورية التي تحرك شعبها باحثًا عن مكانة تليق بتاريخه وإمكاناته وتطلعاته، مكانة تضمن له العيش الحر الكريم، بمنأى عن الاستبداد والفساد المتوحشين. وجميعنا يتذكر في هذا السياق، بالتفصيل الممل، كيف تنكر أوباما لوعوده، وشروطه، ولا سيما خطه الأحمر الخاص بالكيمياوي.

انتظر العالم نتائج الانتخابات الأميركية الجديدة، على أمل الخروج من الحقبة الأوباماوية التي أسفرت عن هيمنة إيرانية – روسية على سورية، وهي هيمنة كانت، وستكون خاصة إيرانيًا وحتى روسيًا، للتمدد والتغلغل في دول المنطقة، وفي الخليجية الغنية منها على وجه التحديد.

أصبحت سورية ساحة صراع مفتوح، بين القوى الإقليمية والدولية التي اعتمدت بداية على ميليشيات مسلحة رفعت شعارات دينية مذهبية متطرفة، في سعي لإسباغ المشروعية على أعمال لا تقبل بها كل الشرائع السماوية والوضعية. ولم يقتصر اللجوء إلى الدين على الميليشيات وحدها، بل شمل الدول أيضًا، حتى أصبحت سورية ميدانًا لاستقطاب إقليمي دولي غير مسبوق.

كان انتخاب ترامب الذي وعد ببذل الجهود لتجاوز سلبيات تركة أوباما الثقيلة في منطقتنا، وكانت ضربة (شعيرات) التي سرعان ما تبين أنها لم تكن سوى فقاعة إعلامية، لم تغيّر في الموازين شيئًا.

اليوم يؤكد ترامب، على الرغم من الاعتراضات والتفسيرات المتباينة من جانب أركان إدارته، سواء من الذين تركوا أم ما زالوا، انسحابَ قواته من سورية، بعد أن “أنهى المهمة” التي اقتصرت على محاربة (داعش)، بينما ظل النظام الذي تسبب في تشريد أكثر من نصف السوريين، وتدمير بلدهم، وقتل نحو مليون منهم، ظل هذا النظام خارج دائرة الاهتمامات والمساءلة والمحاسبة، وذلك تحت شعار أن الولايات المتحدة لم تعد تقبل، بناء على مصالحها القومية، بدور شرطي العالم. وأن التريليونات السبعة، وعشرات الآلاف من الضحايا والجرحى الأميركيين، لم تسفر عن نتائج واقعية ملموسة على الأرض، الأمر الذي يستوجب الانسحاب، وترك أمور المنطقة للقوى الأخرى المتصارعة عليها.

ما يُستنتج من كل هذا، هو أن مرحلة ترامب لم تشكّل حالة قطيعة مع مرحلة أوباما، بل امتدادًا لها. وهناك تبريرات من جانب بعضهم في هذا المجال، مفادها أن الأمور في مرحلة أوباما كانت قد وصلت إلى درجة كان من المتعذر عندها تغيير مساراتها.

بصرف النظر عن التفسيرات والتوصيفات والتسويغات المقابلة، والاجتهادات الكثيرة التي نقرؤها ونسمعها، نرى أن المدة المتبقية من ولاية ترامب لن تشهد تطورات إيجابية لمصلحة السوريين واستقرار المنطقة بصورة عامة. بل ربما نشهد مرحلة جديدة، أو مستوى مختلفًا، من عقلية إدارة الأزمة من الخلف، ومن الواضح أن الخلافات الأميركية الداخلية تحول دون تبني استراتيجية واضحة المعالم على صعيد التعامل مع قضايا المنطقة، ومع المسألة السورية على وجه التخصيص.

هناك اجتماع قادم في وارسو بين الولايات المتحدة وحليفاتها في المنطقة، بعد نحو أسبوع، وآخر بالتزامن معه سيكون في أستانا، بين روسيا وتركيا وإيران.

لقد تم التمهيد للاجتماع الأول بلقاء البحر الميت الذي كان بين الدول العربية التي ستشارك على الأغلب في اجتماع وارسو. كما أن البيان الأخير الذي صدر في واشنطن حول سورية من جانب الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين والعرب يصب هو الآخر في هذا الاتجاه.

هذا في حين أن اجتماع أستانا ربما يكون هو الآخر من الاجتماعات المفصلية، في سلسلة اللقاءات الثلاثية التي كانت على مستوى قادة الدول الثلاث.

موضوعات كثيرة ستكون على جدول أعمال الاجتماعَين، في مقدمتها موضوع المنطقة الآمنة شرقي الفرات، وموضوع إدلب، ومستقبل الحل السياسي في سورية بصورة عامة.

ما يُستنتج من المعطيات والمواقف المختلفة هو أننا لن نشهد تحولات دراماتيكية لصالح حل حاسم، بل ستكون مرحلة جديدة من الاصطفافات والصراعات بين القوى الإقليمية المعنية بالملف السوري، وهو الملف المتداخل مع الملفين اللبناني والعراقي بصورة مباشرة.

يبقى السؤال الدائم: أين هم السوريون من كل ما يجري في بلادهم وعلى حسابهم؟!

تساؤل وجودي مصيري ملح، ينتظر الإجابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق