سلايدرقضايا المجتمع

الحجاب وانحراف بوصلة المثقف السوري عن القضايا المصيرية

يصادف الأول من شباط/ فبراير “اليوم العالمي للحجاب“، حيث تمّ تسجيل هذا الحدث تحت اسم “منظمة غير ربحية”، وأعلنت المنظمة في 20 كانون الثاني/ يناير الماضي شعارها لهذا العام، وهو (كسر الصور النمطية)، ومواجهة وصف بعض وسائل الإعلام للمحجبات بأنهن “مضطهدات”.

بدأ هذا الحدث السنوي عام 2013 على يد الناشطة الاجتماعية المسلمة نظما خان المقيمة في الولايات المتحدة، ويجري إحياؤه سنويًا في أكثر من 140 دولة، ويلقي الضوء -في نسخته الحالية- على “ضرورة تغيير الصورة النمطية تجاه الحجاب في الغرب”.

بالتزامن مع هذا الحدث، هاجم الباحث السوري فراس السواح الحجابَ، معتبرًا إياه “ظاهرة غير حضارية” ومظهرًا من مظاهر “التخلف” يجب أن يختفي. وقد أثار تصريحه موجة من الانتقادات الواسعة، على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بعدما وصف الحجابَ بأنه يعني “حجاب العقل”. وقد بلغ الهجوم حدًا دفع بعض المنتقدين إلى إلغاء تاريخه البحثي والفكري، ومنهم من وصفه بأنه أحد “دواعش العلمانية”.

لا شك في أن لكل شخص الحقّ في إبداء رأيه إزاء ظاهرة لا تعجبه، وأن يرفض أو يقبل صداقة الآخر، وفق المعايير التي يراها، لكن أن ينزلق المثقف إلى فخّ التعميم، كما فعل السواح عندما عدّ كلّ امرأة محجبة “امرأة بلا عقل”، أو تعيش بعقل متخلف، فهو أمرٌ مرفوض من باحث يُفترض به أن يكون موضوعيًا في أحكامه، وفي تقبّل الآخر واحترام خصوصيته وأسلوب حياته. حيث إن الطرح الذي يتعمّد إقصاء الآخر وإلغاءه هو التخلّف بعينه، وحضارة الإنسان ورقيّه تقاسان بأفكاره لا بزيّه الذي يرتديه.

عن الحجاب وما يثار حوله من خلاف، قال د. محمد حبش، المستشار لدى مركز الدراسات الإسلامية، في حديث إلى (جيرون): “الحجاب أدب من آداب الإسلام الجميلة، وينتشر في سائر البلاد الإسلامية، حتى إن بعض الراهبات والأخويات يرتدينه، وهو موجود في الأديان كلها تقريبًا، وخاصة أثناء أداء الطقوس الدينية”.

وأضاف: “ربما كان الغلوّ في الحجاب والإفراط به سببًا لحملات معاكسة تدعو إلى نزعه، والتنكر لهذا الأدب الإسلامي الكريم، وبخاصة النقاب الذي يعدّه البعض صورة قاسية وقامعة لحرية المرأة ونجاحها وتفوقها، ويحجّم مشاركتها في الحياة العامة. وقد خلّف هذا التوجه حالةً من النفور ضد أشكال الحجاب كلها، وفي النهاية من حقّ المرأة أن تحافظ على نفسها ومعتقداتها، بالطريقة التي تؤمن بها، فالمرأة هي التي تقرر الطريقة التي تحبّ الظهور بها، وهي التي تتحمل مسؤولية حجابها أو عدمه، وأما الكلام الذي نقله الإعلام، وتضمّن نظرة استعلاء ضدّ المحجبات، فمرفوض أخلاقيًا وقيميًا وديمقراطيًا، وهو يتنافى مع احترام الحريات والخصوصية، لفئة كبيرة من فئات المجتمع”.

وتابع: “وظيفة المثقف الحقيقية تتمثل في إيجاد أرضية جيدة للحوار والنقاش والتفاهم، وذلك بهدف الوصول إلى مجتمع متوازن، تستطيع المجموعات التي قد تختلف في الدين والمعتقد أن تتعايش وتتفاهم وتحترم كل فئة الأخرى، وتتقبل اختلافها وتعدّه أمرًا طبيعيًا، لكننا -مع الأسف- نجد أن بعض المثقفين، أمام المنعطفات الحاسمة في حياة مجتمعاتهم، ينشغلون بالطعن وإلغاء الآخر، والتهجم على التراث والثقافة العربية الإسلامية، في الوقت الذي يطالبون فيه بدولة مدنية ديمقراطية، تسودها العدالة والمساواة واحترام الآخر!”.

لا يختلف تصريح السواح هذا عن الصورة التي دأب الإعلام السوري على إلصاقها بالمحجبات، حيث قدّمت المسلسلات السورية المرأةَ المحجبّة دومًا، بصورة المرأة الساذجة المكبوتة، المطيعة والمنقادة للرجل، إضافة إلى خطأ كبير ارتكبه بعضهم مع بداية الثورة؛ إذ اعتبر أن قضية المرأة ومشاركتها في الثورة وتحررها هو موضوع جانبي، مع أنه من المواضيع الملحة والجوهرية التي لا يمكن التغاضي عنها، أو معالجتها بطريقة سطحية، وإنما يكون ذلك بطريقة عميقة تفضي إلى تمكين المرأة وإتاحة الفرصة أمامها، لتثبت ذاتها وتسهم في تقدم المجتمع.

وللحديث عن هذه الصورة للمرأة المحجبة، قالت سعاد خبية، وهي صحفية مهتمة بقضايا المرأة والتمكين السياسي، لـ (جيرون): “تعرّضت النساء المحجبات لكثير من الضغوطات والازدراء من قبل فئات محددة من المجتمع، سواء كانت هذه الفئة مع الحجاب أو ضده، كما أنها خسرت كثيرًا من الفرص في مراكز أو وظائف أو مناصب لكونها محجبة فحسب. لا أعتقد أن المرأة المحجبة بالعموم تملك حرية الاختيار، أو أننا نملك في مجتمعنا شيئًا اسمه حرية شخصية، في مجتمعنا لدينا عادات وتقاليد، فكر ديني مسيطر، منظومة ثقافية تتحكم فينا وفي خياراتنا”.

وأضافت: “لاحظنا -خلال سنوات الثورة- دورًا كبيرًا وعميقًا للنساء السوريات، سواء كنّ محجبات أم غير محجبات، لكن اللافت أن جزءًا كبيرًا من النساء المحجبات اللواتي يوصفن بأنهن (محجوبات العقل) قد شاركن في الثورة، ولم يمنعهن الحجاب عن المشاركة في التظاهرات أو المطالبة بالتغيير”. وتابعت: “أعتقد أن من يقيس عقل المرأة واتّزانها بالحجاب، لا يملك معايير متوازنة وإنسانية؛ ذلك أن الإنسان الذي يطالب بالخلاص من الاستبداد هو أكثر عقلًا وإنسانية وإحساسًا بآدميته، ممن يرى الحجاب مشكلة، ويتغاضى عن الاستبداد والإجرام الذي هو المشكلة الأساسية”.

على الرغم من أن الأصوات ترتفع من كل مكان وتنادي برفع الظلم عن المرأة، يبقى حجم الضغوط والإقصاء الذي يمارس عليها كبيرًا، وقد يصل إلى التجني وإطلاق أحكام مجحفة بحقها، وفي النهاية ثمة سؤال ملحّ يخطر في بال اللواتي اتّهمن بالنقص في عقلهن بسبب الحجاب: هل النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب في المجتمع السوري، أو المجتمعات العربية عمومًا، قدّمن صورة مختلفة، أو أكثر وعيًا وعقلًا من الطرف الآخر؟!

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close