تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل انتهت الثورة وآمال الشعب السوري؟

لا شك في أن العامين الأخيرين شهدا تحوّلات كبيرة، ليست في مصلحة الثورة على مختلف الأصعدة، وخلقت أجواء عامة مشبعة بموجات اليأس والإحباط، وبصدور أحكام قاسية ولئيمة على ثورات الربيع العربي وقذفها بأبشع النعوت، واعتبارها مؤامرة وعملًا جرميًا ضد وحدة البلدان العربية، لمصلحة الخارج.

الأنكى من ذلك أن بعض المحسوبين على الثورة “قلبوا ظهر المجنّ” وانتقلوا إلى مروجين لأحكام نهائية على تلك الثورات، وهناك من انتقل إلى صفوف النظام، بل إن البعض قطع كافة الخطوط الحمراء، بفتح علاقات مباشرة مع “إسرائيل” والرهان عليها.

لنعترف بداية أن الأوضاع العربية هي الأكثر تعقيدًا من مختلف الأوضاع في العالم، بالنظر إلى أهمية المنطقة الاستراتيجية والنفطية من جهة، وخلفياتها الأيديولوجية من جهة أخرى، حين كان الغرب -اليمين الصاعد- بحاجة إلى صناعة عدو جديد، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، لم يجدوا أصلح من يافطة الإسلام، خصوصًا أن الاتجاهات المتشددة والجهادية (التي هم من دعمها) لديها القابلية الكبيرة للاستثمار، حتى التجنيد بشكل مباشر، أو من حيث النتيجة، خاصة بعد الجرائم الكبيرة التي اقترفتها أميركا في حق الأمة العربية:

– احتلال وتدمير الدولة العراقية.

– تصعيد الصراعات المذهبية.

– دعم النفوذ الإيراني في المنطقة.

– الموقف من القضية الفلسطينية ودعم “إسرائيل” المطلق.

– طبيعة النظم الاستبدادية وما تقترفه من جرائم ونهب وقمع وتصفيات.

جميعها عوامل كانت تتفاعل في رحم الأوضاع العربية، بانتظار ظروف مواتية للخروج إلى السطح.

لقد عرف العالم تبدّلات كبرى باتجاه الديمقراطية، وأنجزت بلدان عديدة تحولات عميقة في نظمها لتكريس التغيير، ولم يقتصر الأمر على تلك التي كانت تتبع النظام الشمولي، بل طالت بلدانًا واسعة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، إلا في الوطن العربي الذي يرسف في استبداد مكين، تتساوى فيه النظم الملكية بالجمهورية، باستثناء فوارق بسيطة، لذلك فإن جميع شروط الثورات كانت كامنة تنتظر الشرارة التي لا شكّ في أن حادثة البوعزيزي في تونس أشعلتها.

الانفجار الذي يحدث هو نتاج طبيعي لمخزون الاحتقان، ومستويات القمع الشمولي، وطالما أن النظم القائمة ترفض الاستجابة للحدود الدنيا من الإصلاحات، وتواجه أدنى حركات المعارضة بالعنف الكلي؛ فإن الثورات تصبح الردّ الطبيعي.

على الصعيد السوري، انطلقت الأحداث كانتفاضة شعبية إصلاحية محدودة المطالب بعدد من الإجراءات التي كان يمكن تلبيتها، لكن أمام نظام أقلوي فئوي أمني من طراز خاص، كان الانتقال إلى شعار “إسقاط النظام” تحصيل حاصل لردّة الفعل على نهجه وممارساته، ومن ثم الدخول في قصة التسلح وتطوراتها التي لم تكن طبيعية، بقدر ما أسهمت فيها جهات عديدة، كان النظام في مقدمها وهو يحاول تحويل الثورة إلى حالة من المجابهة المسلحة بين فريقين، ثم إطلاق الأحكام المرتبة على أنها إرهابية وعنفية، ثم الدفع بمختلف قوى التطرف والميليشيات الطائفية المستَقدَمة، للتشويه والحرف.

يمكن الحديث طويلًا عن ظاهرة التسلح وتطوراتها، وما فتحته من أبواب لأنواع شتى من التدخلات، وقد كُتب الكثير في ذلك المسار ومآلاته، وتحكّم الأطراف الخارجية فيه، والتلاعب به وفقًا لتعدد المشاريع والمصالح، ولموقع ودور ومواقف الإدارة الأميركية السابقة واللاحقة، التي ظهر أنها الأكثر حرصًا على استمرار النزيف السوري، وعدم توفير عوامل الحسم عسكريًا، وخدمة المصالح الصهيونية بالأساس.

عبر ذلك الوضع المتشعب من العَسكرة، وتعدد الفصائل، ومنع توحدها، وبروز أمراء الحرب وقوى التطرف في عديدها، وصولًا إلى “داعش” و”القاعدة”، واستقدام إيران وميليشياتها، ثم الاحتلال الروسي بكل جبروت تفوقه وأسلحته المتطورة، وممارسته سياسة الأرض المحروقة واستهداف البنى التحتية والحاضنة الشعبية، وغياب الدور الأميركي، ومن خلاله دور أوروبا والدول العربية والإقليمية؛ كان نتاجًا مفهومًا وقسريًا أن تلحق الهزيمة (العسكرية) بالقوى المسلحة المحسوبة على المعارضة، وأن يستعيد النظام معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها تلك الفصائل، وانعكاس ذلك على الجانب السياسي المفرّغ من أي حلول فعلية، وهيمنة روسيا على الوضع.

هذه التحوّلات تترك آثارها الكبيرة على الشارع العربي، والسوري بوجه الخصوص، فثورات الربيع العربي تعاني إشكالات كبيرة، وتبرز الدولة العميقة بقوة قادرة على إحداث ردّات متتالية، عقّدت الأمور وحولت تلك البلدان إلى ساحات حرب أهلية، أو ارتدادية، كما حدث في مصر، بينما ما يزال أفق الحل السياسي في سورية مرجرجًا، ومعه أفق مستقبل الوطن، ووحدته الجغرافية والسياسية، ويرافق ذلك محاولات النظام وحلفائه تصوير ما جرى على أنه نصر، مع المناقلات التي نشهدها، عند بعض الدول التي كانت تحسب على أنها صديقة الشعب السوري، باتجاه إعادة العلاقات مع النظام، وتغيير مواقفها من رأس النظام وضرورة إبعاده من أي دور في المرحلة الانتقالية، والحل السياسي، حيث يجري العمل على تأهيله من جديد، بما في ذلك السماح له للترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة، بواقع عدم القيام بأي إجراءات جدّية في تغيير أجهزة الأمن، والمؤسسة العسكرية، وبما يعني بقاءه.

إن جميع المعطيات تؤكد أن الأوضاع في سورية لا يمكن أن تعود لما كانت عليه، وأن نظام الاستبداد لن يستمر، وستطال محكمة الجنايات الدولية المجرمين الذين تلوثت أيديهم بدماء الشعب السوري، وفي مقدمهم رأس النظام وكبار رموزه.

أكثر من ذلك: إن الشعب السوري، بما فيه من قطاعات مهمة من “الكتلة الرمادية” لن يتوانى عن استمرار تضحياته من أجل إقامة نظام تعددي، مدني، ديمقراطي، ينهي نظام الفساد والاستبداد، ويعالج جراح الوطن، بمشاركة فاعلة من معظم أطيافه.

لن تذهب التضحيات مجانية، ولا أوضاع نحو نصف الشعب السوري اللاجئ والنازح والمشتت، وأغلبيته التي تعاني الفقر والحاجة والتشبيح، وسيستمر العمل حتى تحقيق الأهداف. وستبقى الثورة مطالَبة بتنقية صفوفها، والقيام بمراجعات شجاعة لمسارها، والعودة إلى أصولها الشعبية، السلمية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق