تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

بين الأمل واليأس.. ملف الأب باولو يُفتح من جديد

تعود قضية اختفاء الأب باولو دالوليو، في مدينة الرقة السورية، إلى واجهة الأخبار، بالتزامن مع اقتراب الأعمال العسكرية التي يشنها التحالف الدولي والميليشيات الكردية المتعاونة معه ضد تنظيم (داعش) في سورية، من نهايتها في أقصى ريف دير الزور الشرقي، بالقرب من الحدود السورية العراقية.

وكانت مواقع محلية عديدة قد نشرت خبر إجراء مفاوضات بين تنظيم (داعش) والتحالف الدولي؛ للسماح للتنظيم بالخروج الآمن إلى البادية، مقابل إطلاق سراح الأب “باولو” والصحافي البريطاني جون كانتلي، بينما نشرت صحيفة The Times البريطانية الخبر بالفحوى ذاته، أمس الجمعة، لكنها نسبته إلى “مسؤول كردي رفيع” لم تُسمه. هذا الفارق في صياغة الخبر، بين المواقع المحلية والصحيفة الغريبة، يرجح أن يحمل كل المعنى من وراء نشره في هذا التوقيت.

واعلنت الحكومة البريطانية أن الصحافي البريطاني يبدو أنه لازال على قيد الحياة، وكان يرافق الصحافي الأميركي جيمس فولي الذي قطعت داعش رأسه، وتحدث نائب وزير الأمن البريطاني بن والاس مع الصحافة عن ذلك، دون إعطاء مزيد من التفاصيل. وتم اختطاف كانتلي في سورية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 أثناء العمل مع المصور الصحافي الأميركي جيمس فولي، وشوهد كانتلي آخر مرة في الموصل في كانون الأول/ ديسمبر 2016.

أما التوقيت، فيأتي في سياق توقف العمليات العسكرية في بلدة (الباغوز) ومحيطها، وهي آخر نقاط سيطرة تنظيم (داعش) في سورية، منذ نحو أسبوع. توقف العمليات العسكرية هذا تزامن أيضًا مع أخبار عن دخول قوة عسكرية أميركية من القوات الخاصة إلى منطقة العمليات، عبر الحدود السورية العراقية، أُشيع أنها القوة نفسها التي نجحت في الاستدلال على مكان تواجد أسامة بن لادن، وقتله في عملية نوعية في باكستان عام 2013. أمرٌ فُهم منه أن الأميركيين ربما يمتلكون دلائل على وجود “صيد ثمين” في المنطقة، قد يكون “أبو بكر البغدادي” نفسه، زعيم تنظيم (داعش) والخليفة المزعوم.

بالمقابل، فإن ناشطين وإعلاميين من الرقة ودير الزور يشككون في صحة وجدية هذا الخبر، ويرون فيه طُعمًا للفت الانتباه، ونوعًا من الدعاية “الكردية” الموجهة إلى المجتمعات والدول في الغرب، التي تريد أن يقترن، ولو كذبًا، تحرير مختطفين غربيين باسم القوات الكردية، كنوع من اللعب على مشاعر أهالي المختطفين وحكومات بلادهم. ويستشهدون بسابقة كذب من هذا النوع، قامت بها هذه القوات قبل أشهر، عندما أصدرت قوائم ملفقة بالكامل بأكثر من ألف اسم وهمي، زعمت أنهم معتقلون ومختطفون حررتهم من أسر تنظيم (داعش) في ريف دير الزور.

أحد أعضاء “مجلس دير الزور العسكري” أكد وجود مفاوضات، وأشار إلى أن الهدنة القائمة لمدة أسبوع يمكن أن “تستمر ثلاثة أشهر”، وأن التفاوض يجري الآن على إطلاق أسرى: “عشرين للمجلس وأربعين للميليشيات الكردية… وهناك أسرى أجانب ومهمون”، حسب تعبيره. وقال إن مَنْ يفاوضون من جانب تنظيم (داعش) هم مجموعة تُطلق على نفسها “(أحفاد علي)، وهم يطلبون طلبًا واحدًا ألا وهو الإبقاء على دولتهم، وعدم التعرض لهم إلى الأبد”. ويستنتج أن وراء طلبات التنظيم الكبيرة هذه “شيئًا كبيرًا؛ قد يكون جنودًا أميركيين أو أشخاصًا أجانب مهمين، يمكن أن يكون الأب باولو أحدهم”. أما أخطر ما في الموضوع -بحسب عضو مجلس دير الزور العسكري- فهو وضع السجناء؛ إذ “يضع (داعش) السجناء كلهم في مكان واحد، وهذا المكان مفخخ”.

عملية التفاوض، حسب مصدر من عشيرة الشعيطات، تجري بين القوات الأميركية وتنظيم (داعش) عن طريق شخصين، هما “أبو جبر الشعيطي”، و”أبو الحارث الشعيطي”، ولا دور للأكراد فيها؛ لأن “القوات الأميركية هي التي تمسك بزمام الخطوط الأمامية في هذه المرحلة”.

وكانت أخبار الراهب اليسوعي باولو دالوليو قد انقطعت، يوم 29 تموز 2013، بُعيد دخوله “قصر المُحافظة” في مدينة الرقة، الذي كان تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) قد اتخذه مقرًا له على إثر إعلانه دولته من طرف واحد قبل ذلك بشهرين. الأب “باولو”، وهو من أصل إيطالي، كان قد أقام في سورية منذ ثمانينيات القرن العشرين، وعمل على ترميم دير (مار موسى الحبشي)، الواقع أعلى جبل من جبال سلسلة القلمون، على مسافة لا تزيد عن 15 كم إلى الشرق من بلدة النبك، محولًا إياه إلى مركز للتفاهم والحوار بين الأديان. ومع انطلاق الثورة السورية، انحاز الأب “باولو” إلى جموع السوريين المطالبين بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، واجتمع بمعارضين سوريين، وأرسل رسالة مفتوحة إلى الوسيط الأممي حينذاك كوفي عنان. وهذا ما جعل الراهبَ والمبشر اليسوعي، الذي يُرجح أنه لم يحصل على الجنسية السورية، واحدًا من رموز ثورة السوريين ضد الاستبداد.

يذكر معارضون وناشطون سوريون استقبلوا الأب باولو، ورافقوه في مدينة الرقة، أنه جاء إليها -آنذاك- حاملًا فكرته الدائمة عن إمكان الحوار والالتقاء، وثقته بقدرته على التعامل مع المتدينين، مهما غلوا وتشددوا، كما كان يحمل رسالة من رئيس إقليم كردستان في العراق مسعود البرزاني، إلى قادة التنظيم، لم يُعرف مضمونها. إضافة إلى ذلك حمَّله بعض مَنْ استقبلوه من أبناء الرقة مسؤولية السؤال والتوسط، من أجل الإفراج عن ناشطين من المدينة كان التنظيم قد اختطفهم قبل ذاك ظنًا منهم أن صورة الراهب المسيحي المحبوب والمقبول من عموم السوريين، ستجد لدى هؤلاء احترامًا مماثلًا.

لكن الأب باولو دخل قصر المحافظة في الرقة، ولم يخرج منه، ومنذ ذلك الوقت تكاثرت الروايات عن مقتله بُعيد دخوله المقر بساعات، ورمي جثته في (الهوتة) بمنطقة “سلوك” أو مقتله في غارة للطيران الأميركي على سجن تابع لتنظيم (داعش) في ريف دير الزور، كما انتشرت روايات مضادة تسرد تنقله وآخرين من سجن إلى آخر، واحتفاظ التنظيم به وبآخرين كورقة للتفاوض في ربع الساعة الأخير.

يتذكر النشطاء أنهم حصلوا في عام 2015 على معلومات من عضو سابق في داعش، ادعى أنه رأى بأم عينه اليسوعي الإيطالي في سجن تُسيطر عليه كتيبة “المجموعة الأوزبكية” غرب مدينة الطبقة في ضواحي الرقة.

ما من شك في أن بقاء الرجل وغيره من المختطفين أحياء، طوال هذه المدة، على الرغم من كل ما مر بالمنطقة من أهوال، سيكون خبرًا مفرحًا، ليس لأسرهم ومحبيهم فحسب، بل لكل محبي العدل والسلام في العالم، لكن بشرط أن يكون الخبر صحيحًا وأن يكونوا أحياء بالفعل، لكن ما سيضاعف الخيبة وهول الفجيعة هو أن تتحول الآمال اليائسة لأهالي المختطفين، ومنهم الأب باولو، إلى طعم تصطاد به ميليشيا إرهابية بضعة نقاط عند مشغليها.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close