سلايدرقضايا المجتمع

السوريون ومعادلة الشهادات في أوروبا

بعد موجة اللجوء السورية التي سببتها الحرب ولجوء نظام الأسد إلى قمع الحريات وتدمير الحياة؛ انتشر السوريون على امتداد قارات الأرض، وعلى الرغم مما تعرّضوا له من تشرد وقهر، فقد التزموا بالاندماج الإجباري وتعلم اللغات المختلفة، واستطاعوا إثبات وجودهم وكفاءاتهم، وجعَل الوضع الجديد الإنسان السوري يكتشف ذاته، ويُدرك قدرات أقرانه من السوريين الذين لم تكن تُقدّر قيمتهم داخل الوطن.

ها هو السوري في أوروبا يبحث اليوم عن طبيب أو طبيب أسنان سوري، حلاق، خياط، طباخ، بائع، وخباز، وأصبح السوري في بلاد اللجوء يعيش حالة بحث دائمة عن كل ما هو سوري، وبخاصة في القطاع الطبي، لقناعته بأن الطبيب السوري قادر على تفهّم مشكلته وتشخصيها أفضل من الأوروبي.

لكن المشكلة التي واجهت الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الذين هجّرتهم الحرب ورمتهم على الشواطئ الأوروبية، هي معادلة الشهادات، تلك المهمة الصعبة التي تفرضها الدول الأوروبية حتى يصبح الطبيب السوري بمستوى الطبيب الأوروبي، كما تُردّد معظم الحكومات الغربية، فعلى الراغب في العمل في أوروبا في القطاع الطبي، دخول امتحان التعادل بعد الحصول على مستويات عالية في لغة البلاد التي يعيش فيها، إضافة إلى إتقانه اللغة الإنكليزية بطلاقة، تلك الشروط وغيرها جعلت بعض أصحاب الشهادات الطبية والحقوقية يُحجمون عن معادلة الشهادات، ويكتفون برواتب اللجوء البسيطة، أو العمل في مجالات أخرى بعيدة كل البعد من مهنهم الأساسية، كي لا تضيع سنواتهم في تعلّم اللغة، خاصة بالنسبة إلى الأطباء الكبار في السن أصحاب الخبرة، فكيف يمكن لطبيب تجاوز عمره 65 عامًا أن يُتقن اللغة، ثم يدخل امتحان التعادل، ومن ثم يبدأ عمله من الصفر تاركًا خلفه كل سنوات عمله وخبراته.

يقول الدكتور صالح، وهو طبيب أسنان، كان يعمل في عيادته الخاصة التي افتتحها بعد تخرجه من جامعة دمشق عام 1974: “لا أشعر بالسعادة في هذه البلاد التي حجّمتني، وألعن الحرب التي سرقت كل سنوات النجاح والخبرة والسمعة الطيبة، فعندما بدأت ممارسة المهنة، لم يكن عدد الأطباء في محافظة درعا يزيد عن أصابع اليد الواحدة، لذلك كان للطبيب مكانته الاجتماعية ووضعه الاقتصادي المميز الذي تزيد وتيرته مع سنوات الخبرة، وهكذا استطعت -خلال نصف قرن تقريبًا- تأمين أسرتي ماديًا ومعنويًا، لكن ها نحن الآن في هولندا، وقد تركنا خلفنا كل شيء حتى ذكرياتنا، فلا عمل دون تعادل الشهادة التي تحتاج إلى مستويات عالية في اللغة قبل دخول الامتحانات، والامتحانات صعبة بالنسبة إلينا، في هذا العمر”.

حسن، محامٍ فلسطيني – سوري، ليست لديه خبرة طويلة، إذ لا يتجاوز عمر 39 عامًا، لكنه مجاز من كلية الحقوق في دمشق، تحدث بأسف عن وضعه في هولندا، وقال: “لا أنكر فضل هولندا علينا، فقد وفّرت لنا الأمان والسكن، ولكن ليس من المنطق أن أعيش حياتي على المساعدات، وأنا جامعي، ولكن هولندا ترفض معادلة شهادة الحقوق، بذريعة أن القوانين التي درسناها لا تتوافق مع قوانين أوروبا، ونصيحتهم لنا أن ندرس من جديد، ونحصل على شهادات معترف بها لأجل العمل، وها أنذا اليوم أحاول دراسة البكالوريا الهولندية (سخاكليار) وبعد النجاح، سأبدأ دراستي الجامعية. إنه القهر بعينه، والمؤلم أن البعض يحسدنا على حياتنا في أوروبا”.

أما سامر، وهو يحمل إجازة في الصيدلة من جامعة دمشق، فقال: إن البلدية في مدينته “طلبت منه العمل في تقليم الأشجار في حدائق المدينة؛ لأنه لم يستطع تعديل شهادته في الصيدلة، لا لأنه لا يريد معادلتها، بل لأن تعديل شهادة الصيدلة في هولندا معجزة من الصعب تحقيقها، فالشروط تعجيزية، وبخاصة لمن هم في سن الكهولة وعلى أبواب الشيخوخة”.

اقترحت مريم، وهي صيدلانية تخرجت في إحدى جامعات الدول الشرقية، أن “تقوم الحكومات الغربية بإدماج أصحاب الشهادات الطبية من اللاجئين مع أقرانهم من الغربيين، في دورات تدريبية محددة مع متابعة قدراتهم على الأداء، ثم تقرر أهم يستحقون العمل أم لا، وألا تضع شرط اللغة كعقدة في المنشار، فالطبيب أو طبيب الأسنان يفهم مهنته جيدًا، ولا يحتاج إلى كثير من المفردات لكي يفهم ماذا يريد المريض، فاللغة في مستواها الثاني كافية للتفاهم مع المرضى”،

وأضافت: “المحامي يحتاج إلى دورة تدريبية لا تزيد عن ستة أشهر لدراسة القوانين الأوروبية، فلماذا كل هذا التعقيد الذي يُرهق الدولة ماديًا، ويُحجّم أصحاب الاختصاص، معنويًا وماديًا، ويؤثر في نفسياتهم سلبًا، ويحرم الدول من الاستفادة من تلك الكفاءات التي تعيش مرارة الإحباط في دولٍ شعارها حقوق الإنسان!”.

يقول الطبيب السوري (س): “ريثما نُصبح في مستوى أطباء أوروبا، سنستمر في مساعدة أبناء بلدنا قدر المستطاع، من خلال عقود تدريبية في بعض المراكز الصحية، إذا ما أتيح لنا لذلك، ومن خلال صفحاتنا في وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنيت التي انتشرت كثيرًا في الآونة الأخيرة، مثل (الصيدلية السورية في هولندا) و(دليل السوريين القانوني والاجتماعي في هولندا)، و(أطباء الأسنان السوريون في ألمانيا) و(الأطباء السوريون في ألمانيا) وغيرها من الصفحات التي يتابعها الآلاف، من دون قيد أو شرط.

وتستمر المشكلة من دون حل، ويبقى السوري الذي يحمل شهادة جامعية وما فوقها، في حيرة من أمره، خاصة إن كان في النصف الثاني من العمر، وتضيع خبراته هباء، على أمل أن يستطيع تقديم شيء للسوريين وللمجتمعات الجديدة التي صاروا جزءًا منها، وأن يؤمن حياته بعيدًا من مساعدات اللجوء غير المستحبة.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close