مقالات الرأي

بوتين الذي جلب الأسد حبوًا

ربما، سيرى كثيرون أن اعتماد تصريحات رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير بندر بن سلطان، لصحيفة “الإندبندنت” البريطانية، في البحث عن فهم دقيق للعلاقة الشخصية التي تربط بشار الأسد بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سيُضعف من مصداقية هذا البحث، من الأساس. لكن ماذا لو كانت الإشارات التي تضمنها حديث الأمير السعودي تتلقى دعمًا من تاريخ العلاقات بين نظام الأسد وموسكو، قبل العام 2005؟ كما أنها تتلقى كثيرًا من المؤشرات التي تدعمها، بعد أن تحولت موسكو إلى لاعب رئيس في سورية، ومن أبرزها، حادثة الإهانة التي تلقاها بشار الأسد في قاعدة حميميم العسكرية، في نهاية عام 2017، حينما منعه ضابط روسي من التقدم لمرافقة بوتين، أمام الكاميرات!

من بين مقتطفات كثيرة، من حوار مطوّل ستنشره “الإندبندنت”، للأمير بندر بن سلطان، كان ملفتًا ما ذكره الأمير أن بوتين قال له إنه دعا بشار أكثر من مرة لزيارة موسكو، لكنه لم يأتِ.. “والآن سيأتيني حبوًا يطلب مساعدتي”.

عن أي مرحلة يتحدث بوتين؟ متى رفض بشار أن يأتي إلى روسيا؟ إنه يتحدث تحديدًا عن المرحلة التي سبقت عام 2005، قبل أن يلج النظام السوري في لُجّة أزمات متلاحقة تخص علاقته بالغرب.

بين عامي 2000 و2005، رسمت زيارات بشار الأسد الخارجية لوحةً واضحةً لتفضيلاته في العلاقات الخارجية. فهو -مثلًا- زار فرنسا عام 2001، وبريطانيا عام 2002، وتركيا والصين عام 2004. وبطبيعة الحال، زار الكثير من الدول العربية والأوروبية، في السنوات الأربع الأولى من حكمه. لكنه لم يطأ أرض الروس، حتى شتاء عام 2005، وتحديدًا، في أوج أزمته مع الغرب بخصوص لبنان، وقبيل أسابيع من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في بيروت.

بخلاف والده، الذي يمم وجهه شطر الروس (السوفييت) منذ استيلائه على السلطة، فوقّع اتفاقية القاعدة البحرية في طرطوس عام 1971، يمّم بشار الأسد وجهه شطر الغرب، وقوى دولية وإقليمية عديدة لم يكن من بينها روسيا، في بدايات حكمه. وتحديدًا، قبل أن تتفاقم الأزمات التي يواجهها.

كثير من المراقبين كتبوا، في ذلك الحين وبعده، عن ميل غربي للأسد. حتى إن قادة غربيين كبارًا، من بينهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك، راهنوا في وقت من الأوقات على هذا الميل الملموس للغرب، لدى الأسد الابن، بخلاف والده الذي كان ينظر إلى العلاقة مع الغرب من زاوية مصلحية بحتة، دون أي تأثر حضاري.

بشار الأسد، الذي تزوج بريطانية من أصل سوري تعرّف إليها حينما كان يدرس طب العيون في لندن، بواسطة من الأمير السعودي بندر بن سلطان (حسب زعم الأخير) والذي رفع شعارات تحديثية للبلاد تحمل في كثير من جوانبها تأثرًا بالحضارة الغربية، في بداية وصوله إلى السلطة، من بينها -مثلًا- الحديث عن مساعٍ لتطوير العمل الإداري في سورية بالتعاون مع الفرنسيين، وصولًا إلى محاولة استنساخ معهد إداري فرنسي شهير، بنسخة سورية شوهتها الواسطات والمحسوبية لاحقًا، لم يكن “روسي الهوى” كوالده.

وقبيل زيارته الأولى لموسكو، في كانون الثاني/ يناير 2005، كان حجم العلاقات الاقتصادية بين سورية وروسيا، لا يتجاوز 240 مليون دولار. وكان عنوان عدم حراك الأسد الابن نحو روسيا، حسب كثير من القراءات حينذاك، هو الخلاف بخصوص الديون الروسية (معظمها من الحقبة السوفيتية) على سورية، من مشتريات أسلحة، ناهزت 13 مليار دولار. ويدلل هؤلاء على ذلك بأن أول زيارة للأسد إلى موسكو، عام 2005، شهدت اتفاقية تضمنت شطب 73 بالمئة من الديون الروسية على سورية.

لكن ذلك لا يفسّر حراك بشار الأسد المزمن نحو الغرب، قبل عام 2005. كان من الواضح، في سنوات حكمه الأولى، أن بشار ميال للغرب. وربما كان طموحه أن يتحرر من العُقد التي أحكمت طوقها على نظام الحكم بسورية، في عهد والده، كي يحظى، مثل كثير من الحكام العرب في المنطقة، بالود المأمول مع الغرب.

ببساطة، تجاهل الأسد الابن روسيا، ما يقرب من خمس سنوات. كان خلالها فلاديمير بوتين يصعد بروسيا، رويدًا رويدًا، من كبوتها التي دخلتها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. وفي ذلك الوقت، لم يحظَ بوتين، ذلك الرجل المتحدر من خلفية استخباراتية، باهتمام كافٍ لدى بشار الأسد. ويبدو، حسب شهادة الأمير بندر بن سلطان، أن بوتين لم ينس ذلك للأسد. لكنه، في ذلك التاريخ، كان حريصًا على استمالة بشار، حينما كشّر الغرب عن أنيابه ضده. ومنذ نهاية العام 2003، كان من الواضح أن الأسد مضطر إلى العودة إلى عُقد نظام الحكم التي أسسها والده، بأن يكون نظامًا لا يتمتع بالود مع الغرب، وفي نفس الوقت، لا يتحول إلى القطيعة الكاملة معه. لم يكن ذلك اختيارًا من الأسد، بخلاف والده. كان ذلك بحكم الضرورة التي فرضها الغرب نفسه، الذي أراد تقليم أظفار النظام السوري، في أكثر من ملف، كان أبرزها لبنان.

سيرفض كثيرون القبول بشهادة الأمير بندر بن سلطان، فهو، كرجل سياسة مخضرم، قد يكون له غايات غير موضوعية، من الحديث عن رغبة بوتين في جلب الأسد “حبوًا” إليه. لكن مراجعة ما حدث، قبل عام 2005 وبعد عام 2015، بين بوتين وبشار الأسد، تدفع إلى ترجيح صحة ما قاله الأمير بندر.

فبوتين، ينظر بازدراء إلى بشار الأسد. وإهانة قاعدة حميميم، الشهيرة، لم تكن هفوة، أو وليدة اعتبارات سياسية راهنة فحسب. هي تعبير عن علاقة شخصية غير متكافئة، ليس فقط على صعيد موازين القوى بين الرجلين، بل على صعيد ميول واتجاهات الرجلين؛ فـ بوتين الذي يبدو أن الغرب هو عقدته، يتعامل مع رجل ما كان ليأتيه إلا اضطرارًا، لأنه مأخوذ بهذا الغرب. لذا كان بوتين حريصًا على جلبه “حبوًا”، حسب ما ظهر في أكثر من مناسبة، بعد عام 2015.

ماذا يعني ما سبق بخصوص مستقبل بشار الأسد؟ يعني الكثير، فحديث روسيا المتكرر عن أنها لا تتمسك بشخص بشار الأسد، كرئيس لسورية، لا يبدو أنه من سبيل الاستهلاك الدبلوماسي والإعلامي فحسب. ربما ينتظر بوتين الوقت المناسب، للتخلص من بشار الأسد تمامًا، بعدما أشبع رغبته في جلبه “حبوًا”. فأمثال بوتين من الصعب أن يحترموا أمثال بشار الأسد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق