مقالات الرأي

الأكراد.. أزمة اتجاه

توجّهت الأنظار، في الآونة الأخيرة، نحو منطقة الشمال السوري التي ازدادت تأزّمًا مع مفاجأة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قراره بسحب قواته من سورية، الخاضعة منذ ثماني سنوات لمراكز قوى إقليمية ودولية، تبني تحالفاتها على الضرورة والمصلحة معًا؛ ما جعل أي خلخلة في موازين القوى على الأرض بدايةً لصيغ جديدة من التفاهمات، استعدادًا للاستحقاقات المقبلة.

على الرغم من أنّ تصريح الرئيس ترامب، حول انسحاب بطيء من سورية، لم يلقَ ترحاب مجلس الشيوخ الذي أقرَّ تشريعًا غير ملزم يعارض خطط الرئيس بخصوص سحب القوات الأميركية من سورية وأفغانستان، فإن ما قابله من تخبّط معظم الأطراف المعنية بالنزاع، حول موازنة مصالحها مع هذا الحدث، زاد مخاوف الأكراد من تحوّلهم إلى بيادق يمكن التضحية بها، في ترتيب مساومات نهاية الصراع.

الفرصة التي تراءت للقيادات الكردية عام 2011، حول إمكانية تأسيس حكم ذاتي، بعد تعزيز مواقعهم العسكرية والسياسية، خلال سنوات الأزمة، صارت في مهبّ رياح التفاوضات القادمة التي ستنعكس سلبًا على القيادات الكردية ودورها السيادي؛ بسبب ضيق خياراتها في إمكانية إيجاد استراتيجية بديلة لحماية مناطق وجودها، والتي ظهرت منذ استشعارها الخطر واندفاعها إلى الاستنجاد بالجانب الروسي، بهدف إيجاد أرضية توافقية مع الحكومة السورية لممارسة دورها وعودة قواتها إلى الحدود، مع الاحتفاظ بالعلاقة مع الأميركيين من خلال استكمال العمليات العسكرية، بالتنسيق معهم ضدّ تنظيم “الدولة الإسلامية” والقيام بالتلويح بإفراغ سجونهم من مقاتلي التنظيم، كورقة في وجه الغرب.

خيار اللجوء إلى حماية السلطة السورية، نتيجة متغيّرات الموازين، يعني السير ضمن شروطها، وهي لم تُظهر حتى الآن أي نيّة جادة بقبول حلّ سياسي توافقي مناسب للأكراد. فأقصى ما يمكن أن يناله الأكراد من النظام السوري هو إدارة موسّعة، وأن تعمل “قوات سوريا الديمقراطية” تحت إمرة الجيش الرسمي، وهذا لا يناسب طموح الأكراد بتعديل دستور 2012، والاعتراف بهم كقومية ثانية، وبحقوقهم الثقافية، والحصول على إدارة ذاتية في منطقة تشكّل ثلث مساحة سورية، وتضمّ 90 بالمئة من الاحتياطي النفطي، ونصف الغاز السوري، ومعظم الإنتاج الزراعي من القطن والحبوب.

الأزمة الجيوسياسية التي يمرّ بها أكراد سورية صارت أكثر عمقًا، ولا تقتصر على الانسحاب الأميركي الفعلي؛ فأميركا -على الرغم من مساهمتها في جعل القوات الكردية الحلقة الأقوى في شمال سورية- لم تقدّم أي وعود بشأن إقامة حكم ذاتي لهم، ولم تطرح فكرة دولة فيدرالية، مثلما فعلت روسيا في 2016، على لسان نائب وزير خارجيتها سيرجي ريابكوف، كما أنها لم تتردد في التفاهم مع تركيا بخصوص منبج، وتكثيف التشاور بين المسؤولين الأتراك والأميركيين بشأن المنطقة الآمنة، وخط الثلاثين كيلومترًا التي تمثّل حمايةً لحدود تركيا وإلغاءً لدور القوات الكردية في المنطقة، وقد حاول الرئيس بوتين الالتفاف عليها، عبر إعادة تفعيل اتفاق أضنة، وتشديده في لقاء القمة الذي جمعه مع الرئيس أردوغان، في 23 كانون الثاني/ يناير، على ضرورة عودة النظام السوري إلى شرق الفرات، لإكمال السيطرة على الجغرافية السوريّة، وللحفاظ على وحدة الأراضي السورية، التي تتماشى مع اعتبار “وحدات حماية الشعب” تنظيمًا إرهابيًا من قبل روسيا. ولن تقدّم للقوات الكردية أي حماية بل تبعية، فالمسألة الكردية -كما غيرها- خاضعة للمساومة بما يتناسب مع مصالحها في سورية.

اتفاق أضنة الذي يحتاج إلى عودة التنسيق بين الجانب التركي والسوري، يقضي بممارسة تركيا حقّها الطبيعي في الدفاع عن النفس، ويتيح لها ملاحقة الإرهابيين في الداخل السوري حتى عمق 5 كيلومترات، في حال أخلّت دمشق بالشروط، و”اتخاذ التدابير الأمنية اللازمة، إذا تعرّض أمنها القومي للخطر”، إضافة إلى تعاون سورية التام مع تركيا، في “مكافحة الإرهاب” عبر الحدود، وإنهاء دمشق جميع أشكال دعمها لتنظيم “حزب العمال الكردستاني”، وقد وافقت دمشق على العودة لتطبيقه، مع التنبيه بأن أي تفعيل للاتفاقية يتمّ عبر “إعادة الأمور على الحدود بين البلدين كما كانت”، وتوقّف الجانب التركي عن دعمه وتسليحه للإرهابيين. كما أبدى الرئيس أردوغان القبول به، لضمان حماية الحدود التركية من خطر “حزب العمال الكردستاني”، مع إجراء تعديلات جديدة عليه، بالاتفاق والتنسيق مع موسكو التي تحاول التعاطي مع مطالب تركيا في المنطقة الآمنة ومطالب الأكراد، كأوراق للمساومة بين أنقرة وواشنطن.

على الرغم من أنه لم يجرِ البحث حتى الآن عن طريقة تنفيذ أي من المقترحَين -المنطقة الآمنة وتعديلات اتفاق أضنة- فهما بالنتيجة يشكّلان نهاية لأحلام الأكراد، فالممارسات الكردية لبناء وطن داخل وطن، أضاعت مطالبهم بالحقوق الثقافية، والاعتراف الدستوري بهم كقومية ثانية، وكان يمكن تحقيقها في ظلّ دولة المواطنة، وتجاهلت تعقيدات المسألة الكردية وتشعّباتها. فالمسألة الكردية وتغيير شكل الدولة، مركزية أو لامركزية، لا تنفصل عن مسألة الهوية وباقي العمليات السياسية، وتمسّ تراث المنطقة، وعلاقة الكرد بباقي المكونات، هذه العلاقة التي أساءت إليها تصرفات القيادات الكردية، كمستبدّين في الأراضي التي يسيطرون عليها حاليًا، مثلما أساء إليها مؤخرًا دفاعُ نتنياهو عنهم بوجه أردوغان. كما أن إنشاء حكم ذاتي، للأكراد أو لغيرهم، يعني الدخول إلى شبكة مصالح الدول الإقليمية المتناقضة، ومع الرفض التركي القطعي لوجود أحد أذرع تنظيم “حزب العمال الكردستاني” داخل هذه القوّات، فإن أحلامهم بحكم ذاتي ستكون أوهامًا. فالأكراد الذين لم يتعلّموا من دروس التاريخ جيدًا، وآخرها الاستفتاء على الانفصال عن العراق، سيعودون حاليًا مع صدور قرار الكونغرس بمعارضة الانسحاب الأميركي من سورية، لتكرار الرهان على حلفاء غير مضمونين، مع علمهم التام أن أي حركة انفصالية مرفوضة، منذ اتفاقية سايكس بيكو ومعاهدة لوزان.

ما قامت به القوات الكردية هو زراعة الوهم، وهم قيام دولة كردية، ووهم وجود مسند دولي أميركي أو روسي أو غيره لتحقيق غايتها، بدل الالتفات نحو الممكن وإعلان التصالح مع باقي القوى السياسية والمجتمعية السورية، لتحقيق تفاهمات مُرضية وقابلة للتطبيق، والعمل على إيجاد حامل جامع لصيغة عقد اجتماعي سياسي يُرسي قواعد الدولة، بما يكفل حقوق المواطنة للجميع، بعيدًا من الأكثريات والأقليات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close