مقالات الرأي

آفةُ “ثورةٍ” آفِلَة

قبل أربعين عامًا، من منفاه بالنجف في العراق ثم من نوفل لوشاتو بفرنسا، استطاع آية الله روح الله الخميني، أن يفرض نفسه زعيمًا شعبيًا بلا منازع، تقبل به مختلف القوى الشعبية المناهضة للنظام الإمبراطوري في إيران. وبات مقره في فرنسا، ابتداءً من اليوم التالي لـ 8 أيلول/ سبتمبر 1978 أي يوم “الجمعة الأسود” الذي أطلق فيه الجيش النار على المتظاهرين في طهران، لا موئل مختلف هذه القوى من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها فحسب، بل كذلك مئات الصحافيين القادمين من وسائل الإعلام العالمية، السمعية والبصرية، مكرسين، من حيث يدرون أو لا يدرون، زعامة هذا الرجل الذي كان قد أُرغم على مغادرة إيران قبل خمسة عشر عامًا من ذلك، أي عام 1963، إلى العراق، ثم في تشرين الأول/ أكتوبر 1978، مرغمًا ثانية، إلى فرنسا، قبل أن يعود نهائيًا إلى طهران، بعد أن كرسه ملايين الإيرانيين وهرعوا لاستقباله زعيمًا، في الأول من شباط/ فبراير 1979.

ما إن عاد الخميني إلى طهران منتصرًا بعد مغادرة الشاه لها، حتى خان الوعود التي قطعها لمن نصروه في منفاه الفرنسي، تلك التي كانت تنصبُّ على اعتماد النظام الديمقراطي واحترام حقوق المواطنة والإنسان والعمل على سيادة العدالة الاجتماعية. ذلك أنه سرعان ما استفاد من ضروب الفوضى التي عمت -أيديولوجيًا وسياسيًا- أرجاء إيران، ووضعت البلاد على حافة حرب أهلية، كي يفرض نظام ولاية الفقيه غير المسبوقة، بعد أن نودي به إمامًا، وأن يعلن قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

كان العالم العربي، لحظة انفجار الثورة الإيرانية وقيام الجمهورية الإسلامية، يعيش مرحلة النكوص التي افتتحتها هزيمة حزيران/ يونيو 1967، وانكسار المشروع السياسي العربي على الصعد كلها، ودخول عصر النظم الاستبدادية الوراثية الطامحة إلى التأبيد. ومن ثمَّ، كانت الأرض العربية شبه ممهدة لمطامح إيران الإمبراطورية بثوب إسلامي لبسته إثر ثورة شعبية حقيقية. تجسّدت فاتحة السياسة العربية لإيران آيات الله، في محاولة تجيير القضية الفلسطينية لصالح النظام الجديد، عن طريق توثيق الصلة بالفلسطينيين وبالمنظمة التي تمثلهم -ولا سيما بعد زيارة السادات للقدس وتوقيع معاهدة كامب دافيد- حين استقبل الخميني ياسر عرفات، وقطعت الجمهورية الإسلامية علاقاتها الدبلوماسية مع “إسرائيل”، وسلّمت مفاتيح سفارتها إلى وفد فلسطيني كي تصير فيما بعد سفارة فلسطينية. إلا أنه سرعان ما تبين لعرفات أن العمق الاستراتيجي الذي ظن أنه عثر عليه في إيران الثورة، لم يكن أكثر من مجرد سراب، ولا سيما بعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية التي قسمت عددًا من دول العالم العربي إلى فريقَين: أحدهما مؤيد لإيران (نظام الأسد ونظام القذافي) وآخر مؤيد للعراق تمثل بوجه خاص في دول الخليج.

لم تكن مع ذلك مطامح إيران الإمبراطورية، سواء على صعيد طبيعة النظام الاجتماعي الذي اعتمد في الداخل، أو على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية -وقد بقيت بلا تغيير بعد أن صارت إسلامية- خافيةً على قطاع كبير من القوى السياسية والشعبية في مختلف الدول العربية. إذ لم تمض ثلاث سنوات حتى تم القضاء في إيران على إجماع القوى اليسارية أو العلمانية الذي استطاع الخميني تحقيقه من حول شخصه وما ظنته برنامجه قبل عودته. فتم التخلص من رئيس الجمهورية أبو الحسن بني صدر بتسريحه، وتقرر حلُّ حزب (توده) الشيوعي، واستعيض عن مختلف القوى التي شاركت في الثورة ودعمت الخميني برجال الدين من أنصاره على اختلاف مستوياتهم. أما العدالة الاجتماعية المرجوة فقد بقيت حلمًا يراود فقراء إيران، واستعيض عن الديمقراطية بمفهوم مستحدث للدكتاتورية تمثل في ولاية الفقيه. كما أن التصريحات التي أطلقها الخميني قبيل عودته إلى طهران، مطمئنًا القوى الكبرى بعدم تطلعه إلى لعب دور دركي الخليج كما في الماضي، ذهبت أدراج الرياح. ذلك أن إيران “الثورة” الإسلامية لم تبادر إلى إعادة الجزر الثلاث التابعة للإمارات العربية المتحدة التي احتلتها إيران الشاه الإمبراطورية. كما أنها فضلًا عن سعيها، ولم تمض سنوات ثلاث على ثورتها، للعمل على احتواء عدد من الفصائل الفلسطينية، من أجل السيطرة عليها بمعزل عن المنظمة، بادرت أيضًا إلى احتلال مواقع منظمة التحرير الفلسطينية نفسها في لبنان، فور انتقال هذه الأخيرة عام 1982 إلى تونس، وذلك عن طريق المباشرة في تأسيس ذراع عسكرية وسياسية لها فيه تمثلت في “حزب الله” الذي سيحتل بالتدريج موقع الذراع المسلحة والوكيل الحصري لإيران في العالم العربي.

كان ما يقال في ثمانينيات القرن الماضي عن “تصدير الثورة” الإيرانية إنه مُضَلِّل. ذلك أن الهدف لم يكن في الحقيقة نقل الثورة الإسلامية، بقدر ما كان توسيع مناطق نفوذ إيران الجديدة باسم الإسلام ومفاهيمه. إذ بخلاف النهج الذي اتبعه الشاه من أجل السيطرة السياسية على المستوى الإقليمي اعتمادًا على القوة العسكرية المحضة -كما فعل في احتلاله الجزر الإماراتية الثلاث- اعتمدت جمهورية ولاية الفقيه، إلى جانب تعزيز قوتها العسكرية، نهجًا آخر مختلفًا جذريًا، يتمثل في تعزيز الانتماء الطائفي في البلدان العربية، وتسخيره لخدمة المصالح القومية الإيرانية. لم تكن إيران من أجل التأثير على سياسات عدد من دول المشرق العربي بحاجة إلى إرسال جيوشها أو أساطيلها. فإما التحالف الوثيق الذي أبرمته مع نظام حافظ الأسد الذي وقف صراحة إلى جانبها في حربها ضد العراق، وإما دعم قوة سياسية بتحويلها قوة عسكرية تستحيل بالتدريج إلى دولة داخل الدولة التقليدية، وتسيطر على مراكز القرار فيها، كما فعلت في لبنان.

كان لا بد من مرور أكثر من ثلاثين عامًا على ثورة إيران الإسلامية، لكي تُعلن على الملأ، على لسان مسؤوليها، تطلعاتها الإقليمية، حين طفقوا يعلنون بصفاقة أن إيران تسيطر على القرار السياسي في أربعة عواصم عربية! كان العراق أول هدف أتاح لها الشيطان الأعظم كما كانت تسمي الولايات المتحدة الأميركية التواجد والعمل على السيطرة على مراكز القرار فيه. لكن الربيع العربي الذي بات في نظر أنصار الثورة المضادة وبالًا على العالم العربي، كان أكثر كشفًا لمآرب الجمهورية الإسلامية الحقيقية. فبعد أن سارعت إلى تأييد انتفاضات الشعوب العربية في تونس وليبيا ومصر واليمن، اعتبرت أن انتفاضة السوريين ليست أكثر من مؤامرة استعمارية، وبادرت إلى العمل من أجل الحيلولة دون نجاح ثورتهم مستخدمة ذراعها العسكري الحصري في لبنان أولًا، ثم عن طريق تجنيد وتنظيم ميليشيات أفغانية وباكستانية، وإرسالها إلى سورية لتعمل تحت إمرة قادة حرسها الثوري في قمع ثورة السوريين.

بعد أن هيمنت تدريجيًا على مركز القرار اللبناني على الصعد الأمنية والعسكرية والسياسية، كان همّ إيران الإسلامية، خلال السنوات الثماني الماضية، وهي تتغلغل في نسيج المجتمع والجغرافيا السوريين، منصبًّا على إنقاذ أخبث نظام استبدادي عرفته سورية في تاريخها. إلا أن مغامرتها السورية، على ضعف ثم غياب الحضور العربي خلال العقود الخمسة الأخيرة، لم تكن مضمونة العواقب. وكان لا بد لثوابت الجغرافيا والتاريخ في العلاقات العربية الإيرانية، من أن تفعل فعلها مجدَّدًا خلالها وبدءًا منها، بعد مغامراتها العراقية واللبنانية واليمنية. ذلك أن إيران الثورة، منذ أن استعادت الدور الإمبراطوري الذي كان الشاه من قبلها يعمل على أدائه في المنطقة المحيطة بإيران بما فيها المشرق العربي خصوصًا، كفت عن الوجود، لتفسح المجال أمام إيران التطلعات الإمبراطورية المتجددة بلباس إسلامي.

لم يكن عمر بن الخطاب -والحق يقال- على خطأ، حين ودَّ لو أن بينه وبين فارس جبلًا من نار. ذلك أنه لولا دعم إيران نظام الأسد بالمال والرجال والسلاح؛ لما كان بوسعه أن يرتكب هذه الجريمة التاريخية في سورية. ولعل هذه الجريمة بالذات هي التي تؤدي اليوم إلى وضع حدٍّ لدورها في المشرق العربي بصورة نهائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق