سلايدرقضايا المجتمع

في الذكرى السابعة والثلاثين لانتفاضة الهوية الوطنية في الجولان المحتل

تحظى علاقة سكان الجولان السوري المحتل، بـ “دولة إسرائيل” التي تحتل أرضهم، وتعمل على دمجهم في المجتمع الإسرائيلي، بأهمية كبرى، بسبب التحولات الكبيرة التي تعرض لها سكان الجولان، خلال سني الاحتلال الإسرائيلي المستمرة منذ ما يزيد عن نصف قرن من الزمان.

لاقى هذا الاهتمام تركيزًا أكبر، بعد اندلاع الثورة السورية ضد نظام الحكم في سورية، بعد ما يزيد عن خمسين عامًا من سيطرة النظام الأمني القاسي والعنيف على حياة السوريين، حيث لم يعد بالإمكان التعايش معه في ظل ظروف معيشية وإنسانية بالغة الصعوبة والتعقيد، وامتهان الكرامة الإنسانية للسوريين.

بخلاف واقع السوريين في الداخل، في ظل نظام الحكم الشمولي، عاش السوريون في الجولان المحتل في ظل نظام احتلالي استيطاني عنصري، ابتلع الأرض والشجر والحجر والثروات، وشوّه الوقائع والتاريخ، وسعى لتغيير ومحو ذاكرة السوريين، بإشراف مهندسي الطواقم البشرية، باستخدام مفهومات جديدة إقصائية مشبعة بخطابات رنانة تُبرز إيجابية وإنسانية المحتل، وسعة صدره وصبره وقلقه على مصير الإنسان السوري الرافض لقرابة الدم المزعومة، ولبعض طقوس “الديمقراطية الاحتلالية” التي تضمن حقوق المحتل أساسًا، وتصادر عمليًا حقوق السوريين في أرضهم وخيراتهم، وتهدد مستقبلهم.

ساهمت الحرب السورية، بعد استشراس نظام الحكم بالدفاع عن مصالحه ووجوده، وتشريد أكثر من نصف الشعب السوري، وسقوط ما يقارب مليون ضحية بين شهيد وجريح ومفقود ومعتقل، في تبديد آمال السوريين في الجولان المحتل بآمال الحرية والتحرير، وإنهاء الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي، واختفت شعارات العودة إلى حضن الوطن الأم، من الخطاب الإعلامي.

ونحن على أبواب الذكرى السنوية السابعة والثلاثين لانتفاضة السوريين في شباط/ فبراير 1982، ما يزال الاحتلال الإسرائيلي يسعى لسلبهم مكانتهم وتاريخهم وموقعهم بالمواجهة المباشرة، أو التسلل إلى دواخلهم في برامج ومشاريع هادئة صامتة، مراهنًا على شيخوخة الذاكرة، وتعزيز عوامل الخيبة والخذلان من أبناء جلدتهم في دولتهم، من خلال تفتيت وضرب النسيج الاجتماعي، وتحويل الصراع مع الاحتلال إلى صراع بين أبناء البيت الواحد؛ لتكريس سلطته من خلال ما أفرزته الانتخابات الإسرائيلية التي فرضتها “إسرائيل” في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ودعم الفئة التي تحمل جنسيتها من أبناء الجولان التي لا تتجاوز نسبة 12 بالمئة، لتكون ممثلة لسكان الجولان في تلك الانتخابات، التي حولها الجولانيون إلى مهزلة حقيقية، جعلت قانونَ ضمّ الجولان الذي أقرته عام 1981 إلى سيادتها، مجردَ حبر على ورق، من الناحية السياسية.

مضى أكثر من نصف قرن على احتلال “إسرائيل” للجولان، وما يزيد عن سبعة وثلاثين عامًا على قرار ضمّ الجولان، ولم تنجح “إسرائيل” خلالها في إقناع نصف عدد سكان الجولان في القرى الخمس المحتلة، للدخول في نظامها السياسي والثقافي، أو التأثير عليهم بالتخلي عن هويتهم التي ما زالت عنوان مسيرتهم، وعنوانًا للسجال الاجتماعي المحلي، وعنوانًا لأيّ حراك اجتماعي وسياسي يخص المسألة الجولانية.

بعد انتفاضة شباط/ فبراير 1982، وفشل “إسرائيل” في استمالة سكان الجولان؛ حاولت “إسرائيل” الابتعاد من المواجهة المباشرة مع أهل الجولان، لتمرير عملية “الأسرلة الصامتة” التي تضمنت تحطيم وتشويه الرموز والقيم الوطنية، من خلال سياساة عديدة: مقارنة الواقع السوري بالواقع الإسرائيلي، ازدياد مشاريع التنمية والميزانيات والتطوير وتوسيع مهام وصلاحيات المجالس البلدية وتعويمها، أسرلة برامج التدريس من الناحية التعليمية والإعلامية، طرح مشاريع الخدمة الوطنية والخدمة المدنية في صفوف طلبة المدارس، تكثيف العمل في مجال السياحة والفن والموسيقى والثقافة، كوظائف في المجالس المحلية مع صرف موازنات هائلة جدًا خاصة تلك التي تهم الأجيال الناشئة، تشجيع خفي لحمل سلاح شخصي مُرخص للحماية الشخصية، وليس آخرها مهزلة الانتخابات التي أكّدت أن الأوهام الإسرائيلية المراهنة على عامل الزمن، وفرض الأمر الواقع في الجولان المحتل، قد فشلت بعد مرور نصف قرن على الاحتلال.

كان لنتائج انتفاضة شباط/ فبراير في الجولان المحتل أن تكون أكثر فاعلية وتأثيرًا، على الصعيد السياسي والوطني والاجتماعي والثقافي في الجولان، لو توفرت لها عوامل الصمود من دعم ومساندة حقيقية، بعيدًا من الاستهلاك الخطابي الذي تعامل معه النظام في سورية، واعتبارها ورقة إعلامية بمقاييس الممانعة والمقاومة، ويكفي سكان الجولان فخرًا واعتزازًا أنهم خاضوا -وما زالوا يخوضون- معركة كرامتهم وحدهم بأدواتهم ووسائلهم الذاتية، من دون الاعتماد على أي جهة وطنية أو إقليمية أو دولية، حيث استطاعوا إفراغ المشاريع الإسرائيلية من مضامينها ومحتواها، وبقيت مجرد حبر على ورق.

إن مواطنة السوريين في أرضهم هي حقّ مشروع لهم، وليست منّة من دولة الاحتلال التي تعتبرهم “مقيمين على أرضهم التي تحتلها” وكذلك ليست هدية من النظام الحاكم في سورية، الذي اختصر قضية الجولان، بمنح جامعية، وتسويق تفاح المزارعين، وببورصة ولاءات ومبايعات باسم الوطنية”، على خط وقف إطلاق النار. ولم يكلف خاطره بإدراجهم ضمن أولوياته الوطنية، كمواطنين سوريين لديهم حقوق أهمّها تسجيلهم في السجل المدني الرسمي السوري، وحمل جنسية وجواز سفر دولتهم، وتخصيص موازنات لصمودهم ودعمهم ضمن برامج ومشاريع بديلة عمّا يسعى له الاحتلال الإسرائيلي، لفرض أمر واقع جعل “إسرائيل” تطالب بوقاحة بانتزاع اعتراف الدولي بسيادتها على الجولان المحتل، وليقدم للعالم موقفه بالدفاع عن أرضه وأبناء “رعيته”، وبدلًا من ذلك، خرجت “إسرائيل” عن صمتها بإذلال حكام دمشق رسميًا، وسرّبت -عبر وسائل إعلامها- أنباء عن وجود وثيقة موقعة في السفارة الأميركية في بيروت، عن استلام حافظ الأسد مبلغ 160 مليون دولار، مقابل إصدار قرار الانسحاب من الجولان، وتسليمه إلى الإسرائيليين من دون قتال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق