مقالات الرأي

المنطقة الأمنية وغياب الوطنية السورية

السيناريوهات المقترحة لملء فراغ الانسحاب الأميركي تتجاهل الدور الوطني السوري، وتقدّم مقترحات تبدأ من تفعيل اتفاقية أضنة الموقّعة بين النظام وتركيا 1998، التي تعطي لتركيا الحقّ بالتدخل في الأراضي السورية، ومقترح قوات عربية وبيشمركة كردية، تنطلق من غايات أمنية محضة لمصلحة كل من مصر والسعودية والإمارات، ضد تركيا؛ فأكراد الاتحاد الديمقراطي وقوات (قسد) يرفضون اتفاقية أضنة، لأن تركيا ستهدّدهم مباشرة، وليس لأن تركيا تهدد الأراضي السورية، ويبحثون عن مشتركات بين السوريين، والأنكى أن الاتحاد الديمقراطي الكردي قدمَّ مقترحًا لإعادة المفاوضات مع تركيا، وهذا بالتأكيد سيكون ضدّ مصلحة اللاجئين السوريين وضد أهالي المنطقة. هنا، يغيب عن عقلية الاتحاد الديمقراطي، وعن الجربا و(البيشمركة) البحث عن مشروع سوريٍّ جامع في شمال سورية، كبديل عن الانسحاب الأميركي، وكرفض لكل السيناريوهات أيضًا.

الآن، هناك نقاش إقليمي ودولي حول حلٍّ، وأما الأميركيون فيقدمون مقترحًا يستدرج دولًا أوروبية لملء الفراغ وحماية (مسد)، وهناك “إسرائيل” التي تتخوف من الانسحاب، واستفادة إيران المباشرة من ذلك، ولهذا ترفض تفكيك قاعدة التنف، وتحاول تأجيل الانسحاب، أو إيجاد سيناريو يمنع إيران من تحويل سورية إلى طريق عبور للأسلحة المرسلة إلى “حزب الله”، ودعم وجودهم في سورية، وكذلك لمنع تركيا من التمدّد أكثر فأكثر في سورية.

العقلية ذاتها تسود لدى (هيئة تحرير الشام) وعلى الرغم من الزمن الطويل المُعطَى لها لتغيّر جلدها، وتفهم المتغيرات السورية والإقليمية، وأنها أصبحت على طاولة الشطب، فإنها ما زالت تصرّ على البقاء جهادية وأصولية، وعلى التذاكي عبر مقترحات تقدّمها لبقية الفصائل ولتركيا وروسيا بأنها تريد دورًا غير رئيسي في إدلب وريف حلب الغربي، وأنها تحاول أن تتغير، بينما تشن المعارك المستمرة ضد الفصائل، وتتدخل بكل صغيرة وكبيرة بشؤون البلدات والفصائل، وبالتالي ما زال العقل الوطني غائبًا عنها، وهذا ينسجم مع رؤيتها الفكرية الجهادية والسلفية، بالتحكم في الآخرين، ورفض كل رؤية أخرى، وبالتالي ستتعرّض إدلب وكافة المناطق المسيطرة عليها لعملية عسكرية روسية تركية، لتنظيف المنطقة منها ومن الجهاديين كافة وتفكيكها، وربما ستكون هناك عمليات أمنية واسعة لتصفية قيادتها.

الأسوأ أن تركيا وروسيا، المنشغلتين بكيفية الاستفادة من الانسحاب الأميركي، ما زالتا تُدوّران الزوايا بينهما، حول كيفية ضبط الأوضاع في منبج، أو كيفية ملء الفراغ، أو تشكيل اللجنة الدستورية، وإذا كانت تركيا مهتمة بأمنها القومي بشكل أساسي لرؤيتها للوضع السوري، فإنها صارت تسمح لروسيا بالتحكم في النسب المشكلة لهذه اللجنة، ومن هنا يظهر السؤال: أين السوريون من كل ذلك؟ النظام لا يعترف بمعارضة، وكذلك روسيا، والأمم المتحدة تبدو في وضعية ضعيفة للغاية، حيث لا تتدخل أميركا ولا الأوروبيون لتفعيل القرارات الدولية بخصوص الحل السياسي، وبالتالي ستميل إلى الموافقة على الأسماء المختلف عليها، بما يعطي هامشًا للمعارضة، ولكن من أجل تجميل وجه النظام، وتحكّمه في نتائج تشكيل اللجنة! مشكلة روسيا في غباء رؤيتها الكونية للعالم، وتوهّمها أن بمقدورها مدّ نفوذها عسكريًا وأمنيًا، وبالتالي تتجاهل الواقع السوري وثورته ومعارضته وشروط الأخيرة، وتتجاهل الدور الأميركي والأوروبي، على الرغم من رداءة الأخير، وتريد فرض رؤيتها تلك، وجلب الأموال لتفعيل أعمال شركاتها بذريعة إعادة الإعمار.

الآن، وافق مجلس الشيوخ على قانون قيصر، ويَنتظر القرار توقيع ترامب، وهذا وحده سيُعطل كل قصص إعادة تأهيل النظام أو استجلاب الأموال، قبل إجراء تغييرات كبرى في نظام الحكم، وبالتالي، فما الفائدة من اللجنة الدستورية… إنها لن تستطيع تفعيل أي خطوة من أجل إعادة تأهيل النظام، دون الاستجابة للشروط الأميركية والأوروبية.

الإشكال هنا أن كل ما يجري بخصوص سورية يتم لخدمة مصالح الدول، وليس لمصلحة السوريين والقوى السياسية السورية، بدءًا من هيئة التفاوض والائتلاف الوطني والفصائل وأحمد الجربا والاتحاد الديمقراطي و(البيشمركة) السورية الخاضعة لـ (البيشمركة) الكردية العراقية؛ أقول جميعها لا تنطلق من إعادة إنتاج الوطنية السورية. طبعًا النظام يحاول إعادة إنتاج وطنيته السابقة “القمع” لما قبل 2011، وهذا محض هراء.

الأسوأ أن النظام، عبر تنسيق العلاقات بين روسيا وتركيا وأميركا وإيران، استعاد دمشق وغوطتيها ودرعا وحمص وحماة وغيرها، ولكن كل ذلك لم يسمح له بفرض شرعيته؛ فالمدن مدمرة، والشعب “تُحتل” بلداته من دون أي تصالح معه، وتُمنع عنه أي مشاركة سياسية، ويتعرض لمختلف أشكال الإذلال. وكل محاولات روسيا وإيران تتناول الشق العسكري والأمني، أي تستهدف تشكيل فصائل وفيالق عسكرية، وإيران مستمرة في محاولاتها التطييفية التشييعية، وبالتالي ليس من وطنية في أفق النظام والمعارضة. ولنتأمل دور الأخيرة في الأزمة المعيشية الطاحنة، التي يتعرض لها الشعب في مناطق النظام! لا شيء سوى الاستهزاء والسخرية. أيضًا الشعب في المناطق التي تسيطر عليها تركيا يعاني نقصًا من الاحتياجات والخدمات وغياب الحريات، والفصائل هناك تأتمر بأوامر الجيش والأمن التركيين.

الأوضاع المعقّدة لم تدفع القوى السياسية والعسكرية السورية إلى الاتجاه نحو تبنّي مشروع وطني لمناطق سورية كافة، ولم يظهر ذلك بين العرب، ولا بين الأكراد، حيث الانفصال قائم بين قوات الاتحاد الديمقراطي وأذرعها العسكرية، وبين قوات البيشمركة التابعة للمجلس الوطني الكردي السوري، ولا بين العرب والأكراد معًا. هذا لم يتحقق منذ 2011، وما زال الأمر ذاته، وإذا لم يتحقق في مرحلة القوة؛ فهل سيتحقق في مرحلة الضعف؟! إن إشكالية غياب الوطنية السورية أدّت إلى أن تصبح كافة هذه الفصائل، كما النظام ذاته، تابعة للدول الخارجية، ونتج عن ذلك أن سورية أصبحت محكومة بتعارض، وهو واقع الحال، أو التوافق بين الدول الخارجية.

التحليل أعلاه يقول: لن تستفيد المعارضة “الكردية العربية السورية” من فرض ملء الفراغ، وسيكون أي سيناريو ضدّ مصلحة السوريين، وسيكون لمصلحة مقاربة أمنية بامتياز، ولن تَسمح بتجاوز المشكلات التي نتجت عن سيطرة الفصائل الإسلامية أو الكردية على شمال سورية. أيضًا المناطق تحت سيطرة (هيئة تحرير الشام) ستكون خاضعة لسيطرة تركية روسية أكبر وأدق، وبالتالي كل الكلام عن مناطق آمنة لن يتحقق من أجل السوريين، وستكون مناطق أمنيّة فقط، والسبب غياب الوطنية السورية عن رؤية المعارضة كما عن رؤية النظام.

لم يعد يكفي القول إن ما خربه النظام طوال ستة عقود، بما يتعلق بالوطنية وبكل قضية سورية، هو السبب؛ فلدينا ثماني سنوات كانت فيها المعارضة مستقلة والشعب أيضًا، ولكنه لم ينتج أيَّ مشروعٍ وطني، ولهذا على المثقفين والسياسيين التأمل العميق في أحوال سورية البائسة، وهي تتنقل بشكل شبه كلي إلى مرحلة الاحتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close