أدب وفنون

أحمد مطر صديق الحزن والغضب

“شكرًا لكم، شكرًا، وعفوًا إن أنا

أقلعتُ عن صوتي وعن إصغائي

عفوًا، فلا الطاووس في جلدي ولا

تعلو لساني لهجةُ الببغاءِ… ”

كانت الغرفة الصغيرة، في الدور الثاني من مبنى صحيفة (القبس)، في شارع الصحافة في الكويت، تضم مكتبين صغيرين متقابلين، لفنانين عرفهما الوطن العربي، من دون أن يعرفا أنهما معًا في طابق واحد. لكنهما بقيا -بعد تعارفهما لسنوات طويلة- في تلك الغرفة الصغيرة التي تخلو من أي نافذة… غرفة مقتطعة من صالة التحرير الواسعة، ولخيالكم الواسع أن يحلق عاليًا، ليتخيل أي حوارات كانت تدور بين الشاعر الغاضب والفنان الأكثر غضبًا، مع استحضار كل المتشابهات الأخرى بينهما، التي كان أهمها الصراحة المطلقة والسخرية الفاقعة والقسوة اللافتة، في التعبير والسخط الشديد على الأنظمة العربية الحاكمة. كان أحدهما فنان الكاريكاتير الفلسطيني الأغنى عن التعريف ناجي العلي، والآخر شاعر الكوميديا السوداء العراقي الساخر الغني عن التعريف أحمد مطر. ولأن أحمد مطر هو الغني عن التعريف فقط، سأتجرأ بإضافة بقعة تعريف أخرى عن ذلك الشاعر الغاضب.

لقد كان اغتيال صديق الحزن والقضية ناجي العلي هو الحزن المفاجئ الكبير، ولا سيما أن تلك الحادثة كانت نهاية مفاجئة اكتنفها الغموض، كان وراءها جهات مسؤولة مسؤولية مباشرة، الأولى الموساد الإسرائيلي، والثانية منظمة التحرير الفلسطينية، كونه رسم بعض الرسومات التي تمس القيادات آنذاك، أو بعض الأنظمة العربية! أما قضية الاغتيال -إن جاز التعبير- فقد تنتهي بفرضية التصفية.

لكن من هو أحمد مطر الذي اكتنفه حزن كبير غير موصوف، بعد اغتيال صديق الحزن؟ هو شاعر عراقي ولد سنة 1954م في قرية التنومة، إحدى نواحي شط العرب في البصرة، وهو الابن الرابع بين عشرة إخوة من البنين والبنات، عاش فيها مرحلة الطفولة، قبل أن تنتقل أسرته، وهو في مرحلة الصبا، لتقيم في مسكن عبر النهر في مدينة البصرة بمنطقة التنومة التي كان لها تأثير واضح عليه، فهي -كما يصفها- تنضح بساطة ورقّة وطيبة وطبيعة خلابة، ثم انتقلت أسرته إلى محلة الأصمعي، وهي إحدى محلات البصرة، وكانت تسمى في بداية إنشائها بـمحلة “الومبي” نسبة إلى اسم الشركة البريطانية التي بنت منازلها فيها.

أكمل أحمد دراسته الابتدائية في مدرسة العدنانية، لكنه، لشدة سطوة الفقر والحرمان عليه، قرر تغيير نمط حياته، لعل فيه راحة له وخلاصًا من ذلك الحرمان، فسارع للانتقال إلى بغداد، ليعيش في كنف أخيه الأكبر.

في سن الرابعة عشرة، بدأ أحمد مطر يكتب الشعر، ولم تخرج قصائده الأولى عن نطاق الغزل والرومانسية:

“مرقت كالسهم لا تلوي خطاها

ليت شعري ما الذي اليوم دهاها”

حتى إن من قرأ قصائده من المختصين باللغة العربية، لم يصدقوا أن قصائده كانت لصبي ما زال مخزونه اللغوي والفني في طور التشكيل. وبسبب قسوة الحياة والظروف القاهرة التي كان يعيشها مطر، تعثر في دراسته، ولأنه أحبط لجأ إلى الكُتَّاب هربًا من واقعه الذي زوده برصيد لغوي، انساب زادًا لموهبته، لكن الأحداث السياسية التي كان يمر بها وطنُه جعلته يلقي بنفسه في دائرة السياسة مرغمًا، بعد أن وجد أن الغزل والموالد النبوية لا ترضي همته، فراح يتناول موضوعات تنطوي على تحريضٍ واستنهاض لهمم الناس، للخلاص من واقعهم المر..

“ألقيت بنفسي مبكرًا في دائرة النار، عندما تكشفت لي خفايا الصراع بين السلطة والشعب، ولم تطاوعني نفسي على الصمت أولًا، وعلى ارتداء ثياب العرس في المآتم ثانيًا، فجذبت عنان جوادي ناحية ميدان الغضب”.

لذلك، ذاع صيته بين الناس، وهو ما جلب له ألمًا وسجنًا، أثناء تأديته لخدمة العلم. أضف إلى ذلك الفقدَ الحزين الذي عاشه، ففي تلك المرحلة من حياته فقد شقيقه الأصغر (زكي) بحادث سيارة مفتعل، وسرعان ما تبعه شقيقه الآخر (خالد) الذي كان منظره، وهو متدلٍ من حبل المشنقة، لا يفارق أمه الثكلى التي ابيضت عيناها من الحزن الباكي على أولادها، في الوقت الذي كان فيه الأب هيكلًا عظميًا مسجى على فراش المرض، تقاسمه عذاب فقد أولادها.

في منتصف العشرينيات من عمره، انتقل إلى العمل في الكويت، في جريدة (القبس) محررًا ثقافيًا، كما عمل -أيضًا- أستاذًا للصفوف الابتدائية في مدرسة خاصة، حيث مضى يُدون قصائده التي كانت لا تتعدى موضوعًا واحدًا، أو بيتًا واحدًا. لذلك، احتفظ بها وكأنه يدوّن يومياته في مفكرته الشخصيّة؛ لكنها سرعان ما أخذت طريقها إلى النشر، فكانت (القبس) الثغرة التي أخرج منها رأسه، وباركت انطلاقته الشعرية الانتحارية، وسجّلت لافتاته من دون خوف، وساهمت في نشرها بين القرّاء.

في رحاب (القبس)، عمل الشاعر مع الفنان ناجي العلي في غرفة واحدة، ليجد كلّ منهما في الآخر توافقًا نفسيًا واضحًا، فقد كان كلاهما يعرف -غيبًا- أن الآخر يكره ما يكره، ويحب ما يحب، وكثيرًا ما كانا يتوافقان في التعبير عن قضية واحدة دون اتّفاق مسبق؛ إذ إن الروابط بينهما كانت تقوم على الصدق والعفوية والبراءة، وحدّة الشعور بالمأساة ورؤية الأشياء بعين مجردة صافية، بعيدة من مزالق الأيديولوجية. في الوقت التي كانت الغربة واضطهادها، وأقدارهما في صفحات حياتهما الأولى.

جمعت (القبس) الاثنين في غرفة صغيرة، في الوقت نفسه تقريبًا، ثم -بسبب رأيهما الحر- أُبعدا قسرًا إلى لندن، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث تأبط ناجي العلي حنظلته، وتأبط أحمد مطر لافتاته، ومضيا بطائرة النفي إلى الغربة المضاعفة في أوروبا.

بقيا على صلة بالكويت التي كانا يعلمان تمامًا أن نفيهما لم يكن رغبتها ولا سياستها، وفي صحيفة (القبس)، حيث استأنفا العمل في مكتبها بلندن، قرّر مسؤولو الصحيفة يومها أن تبقى الغرفة، التي تضم المكتبين على حالها، بعد أن استخدمها زملاء آخرون مؤقتًا، لمدة قصيرة، لتغلق بعدئذ على ذكريات علتها أتربة الزمن، لكنها قاومت النسيان بالأشعار والرسومات التي بقيت مفتتح الصفحة الأولى وختام الأخيرة للصحيفة.

لكن -ومع الأسف- في لندن، فَقدَ أحمد مطر صاحبه ناجي العلي الذي اغتيل بمسدس كاتم للصوت، ليظل بعده نصف ميت، وعزاؤه أن ناجي ما زال معه نصف حي، لينتقم من قوى الشر بقلمه:

“عفوًا، فلا تروي أساي قصيدةٌ

إن لم تكن مكتوبةً بدمائي

عفوًا، فإني إن رثيتُ فإنّما

أرثي بفاتحة الرثاء رثائي

عفوًا، فإني مَيِّتٌ يا أيُّها

الموتى، وناجي آخر الأحياء!

“ناجي العليُّ” لقد نجوتَ بقدرةٍ

من عارنا، وعلَوتَ للعلياءِ

اصعد، فموطنك السّماءُ، وخلِّنا

في الأرضِ، إن الأرضَ للجبناءِ

للمُوثِقينَ على الرّباطِ رباطَنا

والصانعينَ النصرَ في صنعاءِ

مِمّن يرصّونَ الصُّكوكَ بزحفهم

ويناضلونَ برايةٍ بيضاءِ”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق